تمثال عبد الكريم قاسم
تاريخي دليل صوتي

تمثال عبد الكريم قاسم

الرصافة
نبذة

في قلب بغداد، وعلى امتداد شارع الرشيد العريق، يقف تمثال عبد الكريم قاسم بوصفه واحدًا من المعالم التذكارية الحديثة التي تحمل في ملامحها مزيجًا من الرمزية الوطنية والتعبير الفني، إذ أُقيم هذا النصب عام 2005 تكريمًا للواء عبد الكريم قاسم، زعيم ثورة 14 تموز 1958، التي أنهت النظام الملكي في العراق وأعلنت قيام الجمهورية العراقية، وقد أنجز النصب النحات العراقي البارز خالد الرحال مستخدمًا مادة البرونز، ليُجسّد في تفاصيل وجهه ووقفة جسده صورةً مركّزة للقائد الذي حمل على كتفيه أحلام شعبه بالتغيير، وجسّد في شخصه مفترقًا تاريخيًا عميقًا أعاد رسم خارطة السلطة والدولة في العراق الحديث.

وقد وُضع التمثال في ساحة عبد الكريم قاسم التي أُنشئت خصيصًا لتخليد سيرته في موقع محوري من المدينة، في منطقة تتقاطع فيها الحركة اليومية للمواطنين مع الذاكرة الوطنية، ليصبح التمثال مع مرور الوقت رمزًا مرئيًا لمرحلة انتقالية مفصلية في تاريخ العراق، لا سيّما أن عبد الكريم قاسم كان أول حاكم جمهوري للعراق بعد سقوط النظام الملكي، وشغل مناصب عليا جمعت بين رئاسة الوزراء، ووزارة الدفاع، وقيادة القوات المسلحة.

وُلد عبد الكريم قاسم يوم السبت، 21 تشرين الثاني 1914 في محلة المهديّة، أحد أحياء بغداد الشعبية، من عائلة فقيرة الأب سُنّي يعمل نجارًا، والأم شيعية من بني تميم، وانتقلت أسرته لاحقًا إلى قضاء الصويرة بحثًا عن لقمة العيش، وهناك بدأ دراسته الابتدائية، قبل أن يعود إلى بغداد ويُكمل تعليمه، ويعمل معلمًا لفترة وجيزة، ثم يلتحق بالسلك العسكري، حيث دخل الكلية العسكرية عام 1932 وتخرّج منها بتفوق عام 1934 برتبة ملازم ثانٍ، وتدرّج في رتبته العسكرية حتى أصبح زعيم ركن (عميد)، وشارك في حروب ومعارك متعددة كـ حرب فلسطين وحركات الفرات وحركة مايس 1941، وحصل على عدة أوسمة، وقد وصفته تقارير المؤسسة العسكرية بأنه ضابط ركن ممتاز، خلوق، ومؤهل ليكون من القادة الكبار.

كان قاسم أحد المؤسسين لتنظيم سري يُعرف بـ "منصورية الجبل"، ثم انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار وأصبح عضوًا في لجنته العليا، وشارك في التخطيط والتنفيذ لثورة 14 تموز 1958 مع عبد السلام عارف، حيث تم إسقاط النظام الملكي من خلال إعلان جمهوري أُذيع من الإذاعة العراقية، وتخللت الثورة أحداثًا دموية، أبرزها إعدام أفراد الأسرة المالكة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الحكم، أثارت الكثير من الجدل الداخلي والخارجي.

وخلال سنوات حكمه، قام قاسم بسلسلة إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية واسعة: فقد ألغى النظام الإقطاعي، وسنّ قانون الإصلاح الزراعي، ووزّع أراضي الدولة على الفلاحين، وشرّع قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 الذي منح المرأة العراقية حقوقًا غير مسبوقة، كما أسس أحياء سكنية للموظفين وذوي الدخل المحدود، وربط الريف بالمدينة من خلال مشاريع طرق واسعة، وبنى مستشفيات ومدارس، وسلح الجيش العراقي عبر اتفاقيات مع الاتحاد السوفيتي، ووجّه العراق نحو سياسة الحياد الإيجابي بدلاً من الانحياز للمعسكر الغربي، وأنهى النفوذ البريطاني في البلاد، وانسحب من الاتحاد العربي الهاشمي، كما قدّم دعمًا ماليًا وعسكريًا لحركات التحرر في الخليج والأردن وفلسطين، وسعى لتأسيس جيش تحرير فلسطيني، مما جعله شخصية مثيرة للجدل، مزيجًا بين الزعيم الشعبي والإصلاحي، والقائد الحاسم في مفاصل الدولة.

ورغم إنجازاته، شهدت فترة حكمه اضطرابات سياسية وصراعات داخلية بين القوى القومية واليسارية، وواجه محاولات انقلاب متعددة، حتى جاء اليوم الحاسم في 8 شباط 1963 حين تعرّض لانقلاب دموي قاده البعثيون والقوميون العرب، وتم القبض عليه وإعدامه في اليوم التالي 9 شباط، ليُطوى بذلك فصلٌ حادٌ من تاريخ العراق، وتبدأ مرحلة أخرى اختلفت في الرؤية والنهج.

ويأتي هذا التمثال، في نهاية المطاف، ليكون أيقونة تذكارية لشخصية شغلت البلاد ومثّلت آمالاً عريضة وطموحات كبيرة لشعبٍ كان يطمح للعدالة والكرامة والسيادة، إذ يُذكّر كل من يمرّ بساحة عبد الكريم قاسم بتاريخٍ مضطرب، لكنه غنيٌّ بالتحوّلات، وبقائدٍ لم يغادر وجدان العراقيين مهما اختلفت الآراء حوله، فظلّ تمثاله واقفًا في قلب بغداد، كما وقف هو ذات صباح من تموز، وأعلن للناس أن العراق دخل عهدًا جديدًا.

حكاية صوتية

صوت الفقراء، في قلب البرونز

5 دقيقة · Arabic · English

استمع في التطبيق

استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق

التطبيق