جامع أبو حنيفة النعمان
دينييجب زيارتها دليل صوتي

جامع أبو حنيفة النعمان

الكاظمية
نبذة

في قلب مدينة الأعظمية ببغداد، يقف جامع الإمام الأعظم بجلاله، محتضنًا في ثناياه ضريح الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، فقيه العراق ومؤسس المذهب الحنفي. وُلد الإمام في الكوفة عام 80 هـ (699م)، وتوفي ببغداد سنة 150 هـ (767م)، ليُدفن في الموضع ذاته الذي بُني فيه الجامع لاحقًا، وأصبح مزارًا للمسلمين من أنحاء العراق والعالم الإسلامي.

تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن الإمام أبا حنيفة تتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق لفترة وجيزة. وقد نُسب إليه قوله: “لولا السنتان لهلك النعمان”، في إشارة إلى تلك الفترة، كما تروي بعض المصادر مناظرات علمية دارت بينهما حول القياس، ما يعكس وجود صلة علمية بين المدرستين رغم اختلاف المنهج لاحقًا.

شُيّد المسجد لأول مرة عام 375 هـ بجوار القبر، ثم شهد توسعة كبرى سنة 459 هـ / 1066م، حين أُقيم مشهد وقبة ومدرسة كبيرة. وقد أصبحت تلك المدرسة واحدة من أقدم المدارس الدينية في الإسلام، وتُعرف اليوم بـ”كلية الإمام الأعظم”، وتُعد من أقدم ثلاث جامعات في العالم.

عندما اجتاح هولاكو بغداد عام 1258م وسقطت عواصم العلم، اندثرت مناطق كثيرة، لكن بفضل وجود ضريح الإمام ومدرسته، بقيت الأعظمية حيّة بالعلم والدين. ولولا هذه المنارة الفكرية، لزالت المنطقة من الخريطة تمامًا كما حدث في أحياء أخرى.

تعرض الجامع لعدة هجمات أثناء الاحتلال الصفوي، حيث هُدم مرات عدة بدوافع طائفية. ثم عاد ليحظى بعناية خاصة بعد دخول العثمانيين بغداد سنة 1534م، حين أمر الملك محمد بن منصور الخوارزمي بتجديد العناية به، ليستعيد الجامع مكانته كمركز علمي وروحي بارز.

في عهد سليمان باشا أبو ليلة من المماليك، جُدد المرقد، وأُنشئت القبة والمنارة سنة 1757م. ثم شهد الجامع تجديدًا كبيرًا عام 1291هـ / 1874م بأمر من السلطانة والدة السلطان عبد العزيز، ما أضفى عليه طابعًا عثمانيًا ممزوجًا بالروح العباسية العتيقة.

بقيت مدرسة الإمام الأعظم المصدر الوحيد للتعليم الديني في الأعظمية حتى عام 1911م، إلى جانب عدد من الكتاتيب التقليدية. وتخرج منها فقهاء وأئمة وعلماء كان لهم دور كبير في نقل المعارف الشرعية والرياضية والفلكية وغيرها، ما عزّز من مكانة الجامع كصرح معرفي جامع.

مع تشييد جسر الأئمة عام 1957م، هُدم جزء من سياج الجامع الشرقي لتمديد الشارع. ثم بُني برج أسطواني بارتفاع 25 مترًا، نُصبت عليه ساعة الأعظمية عام 1961، وظلت تعمل بدقة إلى اليوم. وقد تم تزيين البرج لاحقًا بألمنيوم ذهبي سنة 1973، ما أضاف لمسة حداثة على إرث تقليدي خالد.

حتى أواخر الستينات، كانت البساتين والمنازل تحيط بالجامع، لكن تلك المشاهد تغيرت بعد تحويل المساحات المحيطة إلى حدائق عامة وساحات مفتوحة، خاصة قرب حديقة الجسر، ما جعل الجامع اليوم يتنفس من حوله فضاءً مفتوحًا يليق بروحه التاريخية.

في 10 نيسان 2003، وبعد الغزو الأميركي للعراق، وقعت معركة في الأعظمية دمّرت أجزاء من منارة الجامع، وساعته، وضريحه، وألحقت أضرارًا فادحة بمبانيه، فيما توقفت صلاة الجمعة للمرة الأولى. لكن أهالي الأعظمية، برجالهم وشبابهم، هبّوا لتنظيفه وحمايته من التخريب، لتُقام الصلاة مجددًا في الجمعة التالية مباشرة، وتبدأ بعدها أعمال ترميم واسعة بقيادة ديوان الوقف السني بالتعاون مع عائلة محسوب وعدد من الشركات والمبادرات المحلية.

يجمع الجامع بين الطراز العباسي في هيكله الأساسي، والطراز العثماني في تفاصيله الزخرفية. فالقبة، والمنارة، والنقوش الداخلية، والفسيفساء، والنوافذ، وحتى البلاط المزخرف، كلها تشهد على الذوق الإسلامي الفخم الذي تشكل عبر قرون من الترميم والتحول.

يُقام في الجامع اليوم دروس علمية، وخطب دينية، ومناسبات روحية تستقطب المؤمنين من شتى البقاع. ويُعد الجامع اليوم رمزًا للتسامح والعلم والإرث الإسلامي في العراق، ليس فقط كمكان عبادة، بل كمتحف مفتوح يروي قصة بغداد من عصر العباسيين حتى ما بعد الاحتلال.

حكاية صوتية

منارة لا تنطفئ

4 دقيقة · Arabic · English

استمع في التطبيق
تجارب صوتية

1 محطة لاكتشافها

  1. 1

    أول مدرسة دينية في بغداد

    يحمل هذا المسجد إرث "مدرسة الإمام الأكبر"، التي تأسست عام 1066 لتدريس المذهب الحنفي، ووصفها المؤرخ ابن خلكان بأنها أول مدرسة في بغداد. ويربط هذا المسجد ضريح أبي حنيفة ببدايات التعليم المنظم في المدينة.

استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق

التطبيق