
نصب ابو جعفر المنصور
وُلِد أبو جعفر المنصور، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، في بلدة الحُميمة بجند الأردن في شهر صفر سنة 95 هـ الموافق نوفمبر 713م، ونشأ في بيت عباسي معروف بالعلم والنسب، حيث تلقّى تعليمه منذ صغره فحفظ القرآن الكريم وتعلّم الأدب واللغة، وتميّز بالفصاحة والبلاغة، وكان لبيئته الأسرية والدينية أثر واضح في تكوين شخصيته السياسية والفكرية التي ظهرت لاحقًا خلال مسيرته في الدعوة العباسية ثم في الحكم.
شارك أبو جعفر المنصور في مراحل مبكرة من الدعوة العباسية السرية، متنقلًا بين عدد من الأمصار الإسلامية مثل البصرة والكوفة والموصل ومكة ودمشق، داعيًا لآل العباس وممهّدًا لإسقاط الحكم الأموي، وقد اضطر خلال هذه المرحلة إلى التخفي والتنقل المستمر بسبب ملاحقة السلطات الأموية للدعاة العباسيين، مما أكسبه خبرة سياسية وأمنية كبيرة في إدارة العمل السري والتنظيمي.
بعد تصاعد الدعوة العباسية واندلاع الثورة ضد الأمويين، كان لأبي جعفر دور بارز في دعم أخيه أبي العباس السفاح الذي أصبح أول خلفاء الدولة العباسية، وشارك المنصور في إدارة شؤون الدولة الوليدة، خاصة في الجوانب العسكرية والإدارية، حتى تُوفي السفاح سنة 136 هـ، فانتقلت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور في 13 ذي الحجة من السنة نفسها، ليصبح ثاني الخلفاء العباسيين.
واجه أبو جعفر المنصور منذ بداية خلافته تحديات خطيرة تمثلت في الصراع على الحكم، وأبرزها تمرد عمّه عبد الله بن علي الذي طالب بالخلافة لنفسه، إضافة إلى النفوذ الواسع الذي كان يتمتع به أبو مسلم الخراساني قائد الثورة العباسية في خراسان، فعمل المنصور على تثبيت سلطته المركزية، وانتهى الأمر باستقدام أبي مسلم إلى المدائن وقتله سنة 137 هـ، في خطوة هدفت إلى إنهاء مراكز القوة المنافسة للخلافة.
شهد عهد أبي جعفر المنصور عددًا من الثورات والاضطرابات في مناطق مختلفة من الدولة العباسية، مثل ثورة محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية في المدينة المنورة، إضافة إلى حركات تمرد في خراسان وسجستان، وثورات الخوارج في أطراف الدولة، إلى جانب الصدامات مع الروم على الحدود الشمالية، إلا أن المنصور استطاع قمع هذه الحركات وترسيخ هيبة الدولة والحكم المركزي.
ومن أبرز إنجازات أبي جعفر المنصور قيامه بتأسيس مدينة السلام، المعروفة لاحقًا باسم بغداد، حيث اختار موقعها بعناية ليتوسط أقاليم الدولة، وأمر ببنائها على شكل دائري يحيط به سور وخنادق، ويتوسطها قصر الخلافة والمسجد الجامع، لتصبح بغداد عاصمة الدولة العباسية ومركزها السياسي والعلمي والحضاري لقرون طويلة.
اهتم المنصور بتنظيم شؤون الدولة الإدارية والمالية، فأنشأ الدواوين ونظّم الجباية، وأولى القضاء عناية خاصة، كما أنشأ ديوان المظالم لمحاسبة الولاة وأصحاب النفوذ، واعتمد سياسة الحزم والاقتصاد في الإنفاق، واشتهر بالصرامة والدقة في متابعة شؤون الدولة بنفسه، مما أسهم في استقرار الحكم وتقوية مؤسسات الدولة العباسية.
توفي أبو جعفر المنصور أثناء أدائه فريضة الحج في مكة المكرمة في السادس من ذي الحجة سنة 158 هـ الموافق 6 أكتوبر 775م، عن عمر ناهز الحادية والستين سنة، ودُفن في مقبرة المعلاة، بعد أن حكم الدولة العباسية قرابة اثنتين وعشرين سنة، وضع خلالها الأسس السياسية والإدارية والعمرانية التي قامت عليها الدولة العباسية في مراحلها اللاحقة.
تم إنشاء نصب تذكاري للخليفة أبو جعفر المنصور، مؤسس مدينة بغداد، من قبل النحات خالد الرحال، تخليدًا لشخصيته ودوره التاريخي. وقد وُضع التمثال في منطقة المنصور، التي سُمّيت باسمه تكريمًا له، وغدا لاحقًا واحدًا من أبرز معالم المدينة.
أزيح الستار عن التمثال بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 1977، بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس الجيش العراقي، من قبل أمين العاصمة إبراهيم محمد إسماعيل، في عهد الرئيس أحمد حسن البكر.
يتكوّن النصب من منحوتة نحاسية لوجه الخليفة، مُركَّبة على جسم مبني من الطابوق، يشكل بناءً صغيرًا بباب خشبي مزخرف بنقوش إسلامية. ويقع التمثال وسط ساحة دائرية مزينة بالأشجار والأعشاب.
وكغيره من معالم بغداد، تعرّض التمثال للتخريب بعد عام 2003، وتفجّر بالكامل، ولم يصمد منه سوى الرأس النحاسي. لكن بعد عامين، بدأت أمانة بغداد أعمال ترميم التمثال استنادًا إلى التصاميم الأصلية، وتم إعادة افتتاحه في حزيران/يونيو 2008، ليعود شاخصًا كما كان.
ظلّ المؤسس
3 دقيقة · Arabic · English
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





