
شارع الرشيد
يتربع شارع الرشيد كواحد من أقدم وأشهر شوارع المدينة، وكرمز خالد لتاريخها المتنوع، ومسرح لأحداثها الثقافية والسياسية والاجتماعية. لقد سُمّي بهذا الاسم تيمنًا بالخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي ارتبط اسمه بعصر ازدهار بغداد الذهبي، غير أن تاريخ الشارع نفسه أقدم من تسميته، إذ تعود بداياته إلى الحقبة العثمانية حين قام خليل باشا، حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني، بشق طريق استراتيجي يمتد من الباب الشرقي حتى باب المعظم، وسُمّي حينها “خليل باشا جاده سي”، كونه مشروعًا عسكريًا يسهل حركة القوات والعربات العثمانية، وقد تم إنجازه بصورة عاجلة في عام 1910 رغم ما واجهه من عقبات فقهية واجتماعية ومالية، اضطرته إلى تعديل مساره على حساب أملاك الفقراء والغائبين أو من لا ورثة لهم.
ومع دخول الاحتلال البريطاني لبغداد في عام 1917، تغيّر الاسم إلى “شارع هندنبرك” ثم “شارع النصر”، قبل أن يستقر في العهد الملكي على الاسم النهائي “شارع الرشيد” الذي بات أيقونة عراقية راسخة في الوجدان والخرائط، شارع لا يُختصر بوصف جغرافي، بل يمثل شريانًا نابضًا بالثقافة والذاكرة الجمعية.
يمتد الشارع من ساحة الميدان قرب باب المعظم، مرورًا بسوق الشورجة والمناطق القديمة، وصولًا إلى الباب الشرقي، ليشكّل رابطًا بين التجارة والروح، بين الدين والثقافة، بين الماضي والحاضر، فهنا كانت تُرتَادُ المقاهي الأدبية، وتُرتّل القصائد على موائد النقاش، وتُفتتح دور السينما، وتُقرأ الصحف، ويُصاغ الوعي. وقد احتضن الشارع أبرز معالم المدينة مثل جامع حيدر خانة وسوق السراي، وارتبط بذكريات مئات الآلاف من البغداديين، كونه ليس فقط طريقًا، بل منصة للنشاط العام، من المسيرات الوطنية إلى الاحتجاجات الشعبية، كما حدث في محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم في أعقاب ثورة 14 تموز 1958.
ومن أبرز الشواهد الفنية التي وُلدت في هذا الشارع كانت شركة جقماقجي لتسجيل الأسطوانات، التي تأسست عام 1918، وشكّلت منارة صوتية وثقافية خلدت أساطين الغناء العراقي مثل محمد القبانجي، ناظم الغزالي، داخل حسن، حضيري أبو عزيز، وسليمة باشا، وسجّلت أيضًا لأم كلثوم، عبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وغيرهم، في أرشيف موسيقي أصبح لاحقًا كنزًا وطنيًا.
كما شهد الشارع زيارة تاريخية لأم كلثوم في عام 1932 حين أحيت سلسلة من الحفلات في ملهى الهلال، وبلغ سعر التذكرة حينها ما لا يُتصوّر في ذاك الزمن، وقد علّقت جريدة الاستقلال على الحدث بمقال بعنوان "سحر بابل وفرعون في ملهى الهلال"، مؤكدة أن كوكب الشرق قدّمت اثنتي عشرة حفلة بدءًا من 18 أكتوبر 1932، في مشهد يُحاكي انبهار المدينة بالأسطورة.
على جانبيه، كانت تنتشر دور السينما مثل رويال، وسنترال، والرشيد، والزوراء، والرافدين الصيفية، وكان منها ما تحوّل لاحقًا إلى مسارح أو مجمّعات تجارية، مثل سينما الزوراء وسينما روكسي التي باتت تُعرف اليوم بـ "مسرح النجاح"، كل منها تحوّل إلى طبقة جديدة من سردية الشارع.
لكن مع الحروب والاضطرابات التي شهدها العراق في العقود الأخيرة، دخل شارع الرشيد في طور من الركود والإهمال، إلى أن جاءت مبادرة "نبض بغداد" الحكومية في عام 2023 كمشروع طموح لإحياء المدينة القديمة، بدءًا من شارع المتنبي، الذي جرى تأهيله وتنشيطه ليعود حيًّا ثقافيًا نابضًا بالفعاليات، مرورًا بـ شارع السراي الذي أُعيد ترميمه بطابع معماري يحافظ على خصائصه، وصولًا إلى شارع الرشيد الذي أصبح اليوم في مراحله الأخيرة من التأهيل، بانتظار لحظة الإعلان الرسمي عن افتتاحه من جديد، كبوابة ثقافية وسياحية تعيد رسم ملامح بغداد كما عرفناها: مدينة تُقاوم النسيان وتستعيد مجدها بندى الذكريات.
مائة عام من التحوّلات العراقية
4 دقيقة · Arabic · English
10 محطة لاكتشافها
- 1مميّز
ترام الرشيد
يُعد "ترام الرشيد" إحدى الإضافات النوعية التي قدمتها مبادرة "نبض بغداد"، سعياً لإعادة إحياء شارع الرشيد واستعادة أمجاده، مع الحفاظ على طابعه التراثي العريق. يأخذك الترام في جولة تبدأ من "ساحة الميدان" وصولاً إلى "تمثال معروف الرصافي"، ماراً بأعمدة التاريخ؛ من أمام "مرطبات حجي زبالة" الصامد منذ أكثر من مئة عام، مرتدياً عبق الماضي في المقاهي التي شُيدت احتفاءً بـ "كوكب الشرق" عند زيارتها لبغداد قبل عقود، وصولاً إلى "جامع حيدر خانة" الذي صدحت من منبره أعظم الخطب ضد الاحتلال البريطاني. ركوب الترام في شارع الرشيد ليس مجرد رحلة عابرة، بل هو مشوار قصير يترك في القلب أثراً طويلاً من الألفة والحنين.
- 2مميّز
مرطبات حجي زبالة
في شارع الرشيد، حيث تختلط رائحة التاريخ بنكهة الزبيب، يقف الحاج زبالة بوصفه واحدًا من أقدم وأشهر محلات العصائر التقليدية في العراق، معلمٌ تراثيٌّ حيّ شهد تحوّلات العصور وتعاقب الحكّام، وقد تأسس هذا المحل العريق أول مرة عام 1900 في منطقة الكرخ، قبل أن ينتقل إلى موقعه الحالي عام 1912، ليصبح منذ ذلك الحين أيقونة شعبية وروحية من معالم بغداد الحية، حيث حافظ على طابعه البسيط وأسلوبه التقليدي في إعداد "شربت الزبيب" الذي صار علامة مسجلة في ذائقة البغداديين والزوار على حد سواء. وقد اشتهر المحل عبر أكثر من قرن بتقديم "شربت الزبيب" الطبيعي، المحضَّر من زبيب نخب أول يُجلب خصيصًا من شمال العراق، وتحديدًا من مناطق مثل خوشناو، دوكان، ودهوك، حيث يُنقع الزبيب ويُعصر ويُخمّر وفق طريقة يدوية متوارثة، دون إضافة أية نكهات صناعية، مما يمنح الشراب نكهته الأصيلة، وقوامه الغني، وطابعه المنعش، الذي بات رمزًا من رموز الكرم البغدادي وروح الحرفة الشعبية، واستقبل المحل عبر تاريخه الطويل زبائن من كل طبقات المجتمع، من المارة البسطاء إلى رؤساء الدول والملوك، ومن أبرز الشخصيات التي زارته أو تذوقت شرابه: الملك فيصل الأول، الملك غازي، الملك فيصل الثاني، نوري السعيد، عبد الكريم قاسم، عبد السلام عارف، صدام حسين، الملك حسين بن طلال، حسني مبارك، وياسر عرفات، وهو ما جعل هذا المحل مكانًا يلتقي فيه اليومي بالتاريخي، والذوق الشعبي بالمشهد السياسي، في صورة فريدة لا تتكرر. أما صاحب الاسم الذي ارتبط بالذوق البغدادي الشعبي، فهو الحاج عبد الغفور، غير أن الناس يعرفونه بلقب "زبالة"، وهو اسم أطلقته عليه والدته استنادًا إلى عادة شعبية قديمة، مفادها أن الأطفال الذين لا يعيش لهم إخوة يُسمَّون بأسماء غريبة أو غير محببة، مثل "زبالة"، لدفع الحسد أو "النحس"، وضمان بقاء الطفل على قيد الحياة، وقد كَبُر هذا الاسم حتى صار علامة، وارتبط بمنتجٍ شعبي فريد، حتى بات كثير من العراقيين يعتقدون أن "زبالة" اسم تجاري، لا شخص حقيقي، لكن القصة تحمل في طيّاتها سردية شعبية عميقة تمزج بين الفولكلور، والمعتقد، والذاكرة العائلية. وهكذا، لم يكن محل الحاج زبالة مجرّد مكان يُقدّم شراب الزبيب، بل أصبح نقطة تلاقي بين الطبقات، والأزمنة، والرموز، ومكانًا يُجسّد في بساطته العراقة البغدادية، حيث يُمكن لحكاية اسمٍ شعبي أن تتحوّل إلى أسطورة صغيرة تُحكى على ناصية شارع، ويُدوَّن طعمها في وجدان مدينة.
- 3مميّز
مقهى الزهاوي
يُعدُّ مقهى الزهاوي من أقدم المقاهي الثقافية والتاريخية في بغداد، إذ تأسّس عام 1917م في منطقة الحيدرخانة، بالقرب من شارع المتنبي، معقل الكتب والقرّاء والمثقفين. أُقيم المقهى على أرضٍ موقوفة تعود لعائلة علمية من بيت آل الخطيب، وكانت تضم في الأصل مسجدًا صغيرًا يُنسب إلى أسماء خاتون. لاحقًا، تحوّل المكان إلى ما عُرف حينها بـ"مقهى أمين"، قبل أن يُبنى فوقه فندق صغير. كان الشاعر جميل صدقي الزهاوي يرتاد هذا المقهى بانتظام، يجلس مع الأدباء والمثقفين لتبادل الحكايات والطُرَف والجلسات الأدبية. وعند وفاته في 20 شباط 1936، قرّرت أمانة العاصمة تخليد اسمه بتغيير اسم المقهى إلى "مقهى الزهاوي"، تكريمًا لمكانته الفكرية والأدبية في العراق. شكّل المقهى لسنواتٍ طويلة ملتقىً نادرًا للنخب الثقافية العراقية، من نواب، شيوخ، شعراء، أدباء، وصحفيين. كان من روّاده الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي، والكاتب الساخر نوري ثابت (حبزبوز)، فضلًا عن عشّاق التراث العربي، يتبادلون قصائد المتنبي، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم وغيرهم من عمالقة الشعر. كما شهد المكان جلسات غنائية شارك فيها كبار الفنانين مثل محمد القبانچي ويوسف عمر، ما جعله فضاءً جامعًا للفنّ والفكر معًا. في ثمانينيات القرن العشرين، شُيّدت البناية الحالية للمقهى. وبعد وفاة مستأجره سلمان الكندير، ورثته امرأة مسنّة، مما فتح بابًا للمنافسة على الموقع، نظرًا لقيمته التجارية العالية، حيث يقع على رأس شارع حسان بن ثابت من جهة، وشارع الرشيد من جهة أخرى. بدأت محاولات الاستحواذ على المقهى وتحويله إلى نشاط تجاري مختلف، وسرعان ما تحوّل الأمر إلى قضية رأي عام بفضل حملة قادها أدباء وصحفيون ضد طمس المعلم التراثي. رغم التهديدات والإغراءات المالية، واصل هؤلاء نضالهم، وتمكّنوا من لقاء رئيس الدولة وأمين بغداد، لشرح أهمية المكان بوصفه رمزًا من رموز بغداد الثقافية. كلّلت الجهود بقرارٍ حكومي يُبقي على المقهى باسم الزهاوي، ويُعيد له وظيفته الأساسية كمقهى تراثي ومركز للقاءات الأدبية. ورغم إعادة ترميمه وتعميره، إلا أنّه فقد الكثير من روّاده الأصليين الذين اتجهوا إلى مقهى الشاهبندر بعد إغلاق الزهاوي مؤقتًا. فغابت التقاليد المعتادة، وتغيّر طابعه القديم. ما زال مقهى الزهاوي قائمًا حتى اليوم، محتفظًا باسمه وموقعه، كأنّه شاهدٌ صامتٌ على قرنٍ كاملٍ من الذاكرة البغدادية، حيث امتزج الدين، والفكر، والفن، والسياسة، والشعر، والغناء في فنجان قهوة واحد.
- 4مميّز
مقهى كوكب الشرق
كوكب الشرق مقهى صغير من حفنة من المقاهي البغدادية التي افتتحها مُحبّو المطربة المصرية أم كلثوم بعد زيارتيها الأسطوريّتين للعراق. يقع على شارع الرشيد، في الشريط الكثيف من الأماكن التراثية بين ساحة الميدان وحيّ المتنبي. في الداخل، تغطّي صور أم كلثوم المؤطّرة معظم مساحة الجدران، وتُذاع تسجيلاتها في حلقة مستمرّة، ويجلس روّاده — مزيج من كبار السنّ الذين يتذكّرون حفلاتها مباشرةً وشباب بغداديّين فضوليّين تجاه الذاكرة الثقافية للقرن العشرين — مع شاي أسود مركّز وقطع الدومينو. محطّة قصيرة، لكنّها واضحة إن أردت أن تفهم لماذا لا يزال صوت مصري واحد يرسم جانباً كبيراً من الوجدان البغدادي.
- 5مميّز
مقهى ام كلثوم
في زقاقٍ من أزقّة بغداد القديمة، حيث تختلط رائحة الشاي بالنغمة الدافئة للطرب الأصيل، ينتصب مقهى أم كلثوم كأحد أبرز المعالم الثقافية التي لا تزال تحتفظ بوهج الماضي وسط زحام الحاضر. تأسّس المقهى، بحسب أكثر الروايات شيوعًا، في عام 1970، ليكون ملتقى لعشّاق "كوكب الشرق" أم كلثوم. ومع ذلك، تُشير روايات أخرى إلى أن المكان يعود في أصله إلى العهد الملكي، وقد حمل اسمًا آخر قبل أن يُعاد تسميته تكريمًا لصاحبة الصوت الخالد، التي زارت بغداد في مناسبتين تاريخيتين: عام 1932، وعام 1946. داخل المقهى، تهمس الجدران بقصص الشوق؛ فهي مُزدانةٌ بعشرات الصور النادرة لأم كلثوم، بينما تتردد موسيقاها في أرجائه طوال اليوم، ليُصبح المكان أقرب إلى متحفٍ صغيرٍ لعشّاق الطرب الأصيل. لكن مقهى أم كلثوم ليس مجرّد مكان لشرب الشاي أو القهوة. بل هو فضاء ثقافي حي، يجتمع فيه الشعراء، الفنّانون، الكتّاب، والمثقّفون، يتبادلون الذكريات، ويستحضرون زمنًا كانت فيه الأغنية تُصنع بالكلمة واللحن والروح. رغم التغيّرات التي طالت المدينة، وبروز مقاهٍ حديثة بروح عصرية، لا يزال هذا المقهى يُقاوم النسيان، متشبّثًا بهويته التراثية، محافظًا على طابعه الأصيل كجسرٍ بين بغداد والقاهرة، بين الذاكرة والحنين، وبين صوت الستّ وقلب من أحبّها.
- 6مميّز
ملتقى الاسطورة الثقافي
في عمق شارع الرشيد، حيث تسير خطوات التاريخ متداخلة مع أنفاس الحاضر، يقف ملتقى الأسطورة كمقهى تراثي يحمل في اسمه إشارة واضحة إلى "أسطورة" الغناء العربي أم كلثوم، لكنه في حقيقته ليس مجرد مقهى، بل فضاء حي للذاكرة الثقافية البغدادية، ونقطة التقاء بين الأجيال، والأصوات، والأفكار، وقد تأسس هذا الملتقى عام 1968 على يد الحاج عبد المعين الموصلي، ليكون منذ بدايته مكانًا مخصصًا لمحبي الطرب الأصيل، والأدب، والحوار المفتوح، حيث اجتمع فيه شعراء وصحفيون وفنانون من بغداد وخارجها، وجعلوا منه منبرًا غير رسمي لتداول القصائد، والأفكار، والذكريات. يقع هذا الملتقى في المدينة القديمة من بغداد، تحديدًا في شارع الرشيد، أحد أهم الشوارع التاريخية في العاصمة، وقد تحوّل المقهى مع مرور الزمن إلى معلم بارز ليس فقط لمحبّي القهوة والموسيقى، بل للباحثين عن دفء الذاكرة وهوية المكان، فحين يدخل الزائر إلى هذا الفضاء، تستقبله جدران مزينة بصور نادرة لأم كلثوم، وتنساب من مكبّرات الصوت أغانيها الخالدة التي لا تزال تُغنّى على الشفاه والقلوب، ما يخلق تجربة حسّية كاملة تعيدك إلى زمن كانت فيه الكلمة تُقاس بثقل الذهب، والصوت يُصنّف ضمن كنوز الأمة. لا يقتصر دور المقهى على المشهد الفني، بل يُعد أيضًا رمزًا ثقافيًا وفولكلوريًا في قلب بغداد، فهو يستحضر زمنًا كانت فيه المقاهي مراكز إشعاع ثقافي وفكري، ومساحات آمنة للحوار والانفتاح، ويمنح اليوم مرتاديه فرصة نادرة للجلوس بهدوء وسط صخب المدينة، سواء لقراءة جريدة أو كتاب، أو فقط للاستمتاع بفراغ ذهني يفتقر إليه الزمن الحديث، كما يشكّل مكانًا مناسبًا للقاءات الودية غير الرسمية بين مثقفي المدينة، وكأنه استراحة شاعر أو مرسى لفنان وسط نهر من الحكايات. وقد صار هذا الملتقى، بفضل رمزيته وموقعه، أحد أبرز المقاهي التي تجسّد الذاكرة الثقافية للعراق الحديث، ليس فقط لأنه يحتفي باسم أم كلثوم، بل لأنه يعيد صياغة الفضاء الشعبي كمجال للفن والمعرفة والهوية، وليكون شاهدًا على أن الثقافة لا تموت، بل تغيّر شكلها، وتستمر في العيش بين فناجين القهوة، وأصوات العود، وحكايات الزوّار الذين لا يملّون من العودة إليه.
- 7مميّز
تمثال عبد الكريم قاسم
في قلب بغداد، وعلى امتداد شارع الرشيد العريق، ينتصب تمثال عبد الكريم قاسم بوصفه واحدًا من المعالم التذكارية الحديثة التي تحمل في ملامحها مزيجًا من الرمزية الوطنية والتعبير الفني، إذ أُقيم هذا النصب عام 2005 تكريمًا للواء عبد الكريم قاسم، زعيم ثورة 14 تموز 1958، التي أنهت النظام الملكي في العراق وأعلنت قيام الجمهورية العراقية، وقد أنجز النصب النحات العراقي البارز خالد الرحال مستخدمًا مادة البرونز، ليُجسّد في تفاصيل وجهه ووقفة جسده صورةً مركّزة للقائد الذي حمل على كتفيه أحلام شعبه بالتغيير، وجسّد في شخصه مفترقًا تاريخيًا عميقًا أعاد رسم خارطة السلطة والدولة في العراق الحديث. وقد وُضع التمثال في ساحة عبد الكريم قاسم التي أُنشئت خصيصًا لتخليد سيرته في موقع محوري من المدينة، في منطقة تتقاطع فيها الحركة اليومية للمواطنين مع الذاكرة الوطنية، ليصبح التمثال مع مرور الوقت رمزًا مرئيًا لمرحلة انتقالية مفصلية في تاريخ العراق، لا سيّما أن عبد الكريم قاسم كان أول حاكم جمهوري للعراق بعد سقوط النظام الملكي، وشغل مناصب عليا جمعت بين رئاسة الوزراء، ووزارة الدفاع، وقيادة القوات المسلحة. وُلد عبد الكريم قاسم يوم السبت، 21 تشرين الثاني 1914 في محلة المهديّة، أحد أحياء بغداد الشعبية، من عائلة فقيرة الأب سُنّي يعمل نجارًا، والأم شيعية من بني تميم، وانتقلت أسرته لاحقًا إلى قضاء الصويرة بحثًا عن لقمة العيش، وهناك بدأ دراسته الابتدائية، قبل أن يعود إلى بغداد ويُكمل تعليمه، ويعمل معلمًا لفترة وجيزة، ثم يلتحق بالسلك العسكري، حيث دخل الكلية العسكرية عام 1932 وتخرّج منها بتفوق عام 1934 برتبة ملازم ثانٍ، وتدرّج في رتبته العسكرية حتى أصبح زعيم ركن (عميد)، وشارك في حروب ومعارك متعددة كـ حرب فلسطين وحركات الفرات وحركة مايس 1941، وحصل على عدة أوسمة، وقد وصفته تقارير المؤسسة العسكرية بأنه ضابط ركن ممتاز، خلوق، ومؤهل ليكون من القادة الكبار. كان قاسم أحد المؤسسين لتنظيم سري يُعرف بـ "منصورية الجبل"، ثم انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار وأصبح عضوًا في لجنته العليا، وشارك في التخطيط والتنفيذ لثورة 14 تموز 1958 مع عبد السلام عارف، حيث تم إسقاط النظام الملكي من خلال إعلان جمهوري أُذيع من الإذاعة العراقية، وتخللت الثورة أحداثًا دموية، أبرزها إعدام أفراد الأسرة المالكة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الحكم، أثارت الكثير من الجدل الداخلي والخارجي. وخلال سنوات حكمه، قام قاسم بسلسلة إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية واسعة: فقد ألغى النظام الإقطاعي، وسنّ قانون الإصلاح الزراعي، ووزّع أراضي الدولة على الفلاحين، وشرّع قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 الذي منح المرأة العراقية حقوقًا غير مسبوقة، كما أسس أحياء سكنية للموظفين وذوي الدخل المحدود، وربط الريف بالمدينة من خلال مشاريع طرق واسعة، وبنى مستشفيات ومدارس، وسلح الجيش العراقي عبر اتفاقيات مع الاتحاد السوفيتي، ووجّه العراق نحو سياسة الحياد الإيجابي بدلاً من الانحياز للمعسكر الغربي، وأنهى النفوذ البريطاني في البلاد، وانسحب من الاتحاد العربي الهاشمي، كما قدّم دعمًا ماليًا وعسكريًا لحركات التحرر في الخليج والأردن وفلسطين، وسعى لتأسيس جيش تحرير فلسطيني، مما جعله شخصية مثيرة للجدل، مزيجًا بين الزعيم الشعبي والإصلاحي، والقائد الحاسم في مفاصل الدولة. ورغم إنجازاته، شهدت فترة حكمه اضطرابات سياسية وصراعات داخلية بين القوى القومية واليسارية، وواجه محاولات انقلاب متعددة، حتى جاء اليوم الحاسم في 8 شباط 1963 حين تعرّض لانقلاب دموي قاده البعثيون والقوميون العرب، وتم القبض عليه وإعدامه في اليوم التالي 9 شباط، ليُطوى بذلك فصلٌ حادٌ من تاريخ العراق، وتبدأ مرحلة أخرى اختلفت في الرؤية والنهج. ويأتي هذا التمثال، في نهاية المطاف، ليكون أيقونة تذكارية لشخصية شغلت البلاد ومثّلت آمالاً عريضة وطموحات كبيرة لشعبٍ كان يطمح للعدالة والكرامة والسيادة، إذ يُذكّر كل من يمرّ بساحة عبد الكريم قاسم بتاريخٍ مضطرب، لكنه غنيٌّ بالتحوّلات، وبقائدٍ لم يغادر وجدان العراقيين مهما اختلفت الآراء حوله، فظلّ تمثاله واقفًا في قلب بغداد، كما وقف هو ذات صباح من تموز، وأعلن للناس أن العراق دخل عهدًا جديدًا.
- 8مميّز
تمثال معروف الرصافي
في قلب شارع الرشيد، وتحديدًا عند ساحة الأمين قرب سوق السراي والمدرسة المستنصرية الأثرية، ينتصب تمثال الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي، الذي يُعدّ أحد أبرز المعالم الثقافية والفنية في العاصمة بغداد، وقد أُزيح الستار عنه في عام 1970، بوصفه نصبًا تذكاريًا يخلّد اسم شاعرٍ مثّل ضمير عصره، وصوت الناس في لحظات التحوّل والاحتجاج، وقد صمّم هذا التمثال الخالد الفنان والنحّات إسماعيل فتّاح الترك باستخدام مادة البرونز، فجاء شامخًا بتفاصيله الدقيقة، معبّرًا عن وقفة الرصافي المتأملة ونظرته الواثقة، في مزيجٍ نادر من الواقعية الفنية والبُعد الرمزي، ليظلّ هذا التمثال شاهدًا على مكانة الرصافي الأدبية، وروحه التنويرية التي حفرت أثرها في الذاكرة العراقية. ويُجسّد هذا التمثال شخصية معروف عبد الغني الجباري الحسيني، المولود في بغداد عام 1875، لأب كردي يعمل في الدولة العثمانية وأم عربية من عشيرة القراغول، وقد نشأ في بيئة فقيرة في محلة المهديّة، وتلقّى تعليمه الأولي في الكتاتيب والمدارس الدينية، ثم درس على يد كبار علماء بغداد أمثال عبد الوهاب النائب، قاسم القيسي، قاسم البياتي، محمود شكري الآلوسي، وقد لازم الآلوسي اثنتي عشرة سنة، وتخرّج عليه، ومنحه اسمه الجديد "الرصافي" ليُقابِل من حيث النبل والسمعة والقدوة شيخًا آخر من التصوّف وهو معروف الكرخي. عمل الرصافي في بداية حياته معلّمًا في مدرسة الراشدية، ثم انتقل إلى التدريس في الإعدادية ببغداد، وسافر إلى إسطنبول حيث درّس في الكلية الشاهانية، وعمل في تحرير الصحف، منها جريدة سبيل الرشاد، وانتُخب عضوًا في مجلس المبعوثان العثماني عامي 1912 و1914، ثم عُيّن في دار المعلمين بالقدس عام 1920، قبل أن يعود إلى بغداد ويؤسّس جريدة الأمل، وينتخب عضوًا في مجمع اللغة العربية في دمشق، ويشغل مناصب تعليمية عدة مثل مفتش في مديرية المعارف وأستاذ في دار المعلمين العالية، وقد شكّلت تنقلاته بين إسطنبول، القدس، بغداد، الآستانة، دمشق ملامح شخصيته الأدبية والفكرية التي جمعت بين العروبة، والوعي الاجتماعي، والتأثر بالإصلاح الديني والسياسي. امتاز أسلوب الرصافي بقوة اللغة ومتانة العبارة وصرامة المنطق، وله آراء نقدية جريئة تجاه السياسة والدين والسلطة والمجتمع، وقد جمع أشعاره في ديوانه الشهير "ديوان الرصافي" الذي قُسّم إلى أحد عشر بابًا تشمل موضوعات الكون والدين والفلسفة والسياسة والاجتماع والحرب والرثاء والوصف وعالم المرأة وغيرها، وقد خاض فيه قضايا الأمة، وعبّر عن بؤس الفقراء، ومقاومة الاستعمار، وفضح الاستبداد، ودعا إلى الثورة الاجتماعية والسياسية من أجل العدالة والحرية. وقد عاصر الرصافي الشاعر جميل صدقي الزهاوي، واشتركا معًا في الدعوة إلى تحرير المرأة، ونزع الحجاب (العباءة) التقليدية، غير أن العلاقة بينهما لم تخلُ من الخصومة الأدبية والتنافس الحاد، وقد سُجّلت بينهما مناظرات وسجالات تعبّر عن حيوية الفكر النهضوي في العراق أوائل القرن العشرين. ولهذا، لا يُعد تمثال الرصافي مجرد عمل نحتي على قارعة الطريق، بل هو تمثيل مرئي لشاعر ثائر وفكر متمرّد وروح وطنية صلبة، ظلّت حاضرة في ذاكرة الأدب والسياسة والاجتماع وهكذا، يقف تمثال معروف الرصافي اليوم، عند تقاطع الزمن والرصيف، ليذكّر العابرين بأن الكلمة حين تكون صادقة، تظلّ أقوى من السيف، وأكثر بقاءً من كل سلطة عابرة.
- 9
المقاهي الأدبية
على امتداد شارع الرشيد، كانت تنتشر مقاهٍ عريقة، من بينها المقهى البرازيلي، ومقهى حسن العجمي، ومقهى الزهاوي، التي احتضنت الأدب العراقي الحديث، واستضافت شعراءً كباراً مثل الجواهري، والرسافي، والزهاوي. إن الجلوس هنا بمثابة مشاركة روحية مع عمالقة الشعر العراقي في القرن العشرين.
- 10
الخطوط الأمامية لثورة عام 1920
كان هذا الشارع خط المواجهة في ثورة العراق عام 1920 ضد الحكم البريطاني، حيث تركزت الاحتجاجات المناهضة لبريطانيا حول مسجد حيدر خانة. وبالسير تحت أعمدته، تسير في شارعٍ حمل على عاتقه شغف بغداد السياسي لأكثر من قرن.
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





