
شارع الرشيد
يتربع شارع الرشيد كواحد من أقدم وأشهر شوارع المدينة، وكرمز خالد لتاريخها المتنوع، ومسرح لأحداثها الثقافية والسياسية والاجتماعية. لقد سُمّي بهذا الاسم تيمنًا بالخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي ارتبط اسمه بعصر ازدهار بغداد الذهبي، غير أن تاريخ الشارع نفسه أقدم من تسميته، إذ تعود بداياته إلى الحقبة العثمانية حين قام خليل باشا، حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني، بشق طريق استراتيجي يمتد من الباب الشرقي حتى باب المعظم، وسُمّي حينها “خليل باشا جاده سي”، كونه مشروعًا عسكريًا يسهل حركة القوات والعربات العثمانية، وقد تم إنجازه بصورة عاجلة في عام 1910 رغم ما واجهه من عقبات فقهية واجتماعية ومالية، اضطرته إلى تعديل مساره على حساب أملاك الفقراء والغائبين أو من لا ورثة لهم.
ومع دخول الاحتلال البريطاني لبغداد في عام 1917، تغيّر الاسم إلى “شارع هندنبرك” ثم “شارع النصر”، قبل أن يستقر في العهد الملكي على الاسم النهائي “شارع الرشيد” الذي بات أيقونة عراقية راسخة في الوجدان والخرائط، شارع لا يُختصر بوصف جغرافي، بل يمثل شريانًا نابضًا بالثقافة والذاكرة الجمعية.
يمتد الشارع من ساحة الميدان قرب باب المعظم، مرورًا بسوق الشورجة والمناطق القديمة، وصولًا إلى الباب الشرقي، ليشكّل رابطًا بين التجارة والروح، بين الدين والثقافة، بين الماضي والحاضر، فهنا كانت تُرتَادُ المقاهي الأدبية، وتُرتّل القصائد على موائد النقاش، وتُفتتح دور السينما، وتُقرأ الصحف، ويُصاغ الوعي. وقد احتضن الشارع أبرز معالم المدينة مثل جامع حيدر خانة وسوق السراي، وارتبط بذكريات مئات الآلاف من البغداديين، كونه ليس فقط طريقًا، بل منصة للنشاط العام، من المسيرات الوطنية إلى الاحتجاجات الشعبية، كما حدث في محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم في أعقاب ثورة 14 تموز 1958.
ومن أبرز الشواهد الفنية التي وُلدت في هذا الشارع كانت شركة جقماقجي لتسجيل الأسطوانات، التي تأسست عام 1918، وشكّلت منارة صوتية وثقافية خلدت أساطين الغناء العراقي مثل محمد القبانجي، ناظم الغزالي، داخل حسن، حضيري أبو عزيز، وسليمة باشا، وسجّلت أيضًا لأم كلثوم، عبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وغيرهم، في أرشيف موسيقي أصبح لاحقًا كنزًا وطنيًا.
كما شهد الشارع زيارة تاريخية لأم كلثوم في عام 1932 حين أحيت سلسلة من الحفلات في ملهى الهلال، وبلغ سعر التذكرة حينها ما لا يُتصوّر في ذاك الزمن، وقد علّقت جريدة الاستقلال على الحدث بمقال بعنوان "سحر بابل وفرعون في ملهى الهلال"، مؤكدة أن كوكب الشرق قدّمت اثنتي عشرة حفلة بدءًا من 18 أكتوبر 1932، في مشهد يُحاكي انبهار المدينة بالأسطورة.
على جانبيه، كانت تنتشر دور السينما مثل رويال، وسنترال، والرشيد، والزوراء، والرافدين الصيفية، وكان منها ما تحوّل لاحقًا إلى مسارح أو مجمّعات تجارية، مثل سينما الزوراء وسينما روكسي التي باتت تُعرف اليوم بـ "مسرح النجاح"، كل منها تحوّل إلى طبقة جديدة من سردية الشارع.
لكن مع الحروب والاضطرابات التي شهدها العراق في العقود الأخيرة، دخل شارع الرشيد في طور من الركود والإهمال، إلى أن جاءت مبادرة "نبض بغداد" الحكومية في عام 2023 كمشروع طموح لإحياء المدينة القديمة، بدءًا من شارع المتنبي، الذي جرى تأهيله وتنشيطه ليعود حيًّا ثقافيًا نابضًا بالفعاليات، مرورًا بـ شارع السراي الذي أُعيد ترميمه بطابع معماري يحافظ على خصائصه، وصولًا إلى شارع الرشيد الذي أصبح اليوم في مراحله الأخيرة من التأهيل، بانتظار لحظة الإعلان الرسمي عن افتتاحه من جديد، كبوابة ثقافية وسياحية تعيد رسم ملامح بغداد كما عرفناها: مدينة تُقاوم النسيان وتستعيد مجدها بندى الذكريات.
مائة عام من التحوّلات العراقية
4 دقيقة · Arabic · English
1 محطة لاكتشافها
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





