
جدارية فائق حسن
في نهاية عام 1958، كلّف رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم الفنان المعماري رفعة الجادرجي بتصميم ثلاثة نصب تذكارية لتخليد ثورة 14 تموز، كان من بينها “نصب الحرية” الذي صمّمه الجادرجي بمصبوبات برونزية نفّذها جواد سليم، و”نصب الجندي المجهول” الذي أزيل لاحقًا بأمر من صدام حسين، والنصب الثالث الذي صممه فائق حسن، والذي أطلق عليه لاحقًا اسم “جدارية فائق حسن” بعد أن ألهمت الشاعر سعدي يوسف فكتب قصيدته الشهيرة “تحت جدارية فائق حسن”.
جدارية فائق حسن، المصنوعة من آلاف قطع السيراميك الصغيرة الملونة، نفّذت بأسلوب تكعيبي يجمع بين الصلابة والتكوين الحركي، وراعت مقاومة ظروف المناخ البغدادي الحار باستخدام الفسيفساء، وجاءت الألوان فيها نابضة بالحياة، إذ عرف عن فائق حسن أنه الملوّن الأول، حيث منح اللون شحنة إيحائية أقوى من الخط، لتتحول اللوحة إلى طاقة حركة وجمال بصري.
تمثّل الجدارية رموزًا ومشاهد من كفاح الشعب العراقي ضد الاستعمار، وهي قصة نضال العراقيين من أجل التحرير والسلام، إذ تظهر مجموعة من أبناء الشعب بمختلف فئاته، مصطفّين في تكوين متناغم، من بينهم الجندي، والعامل، والمزارعة، والمرأة، والطفل، والطالب، وقد رُسمت أيديهم مرفوعة للسماء، وبعضهم يطلق الحمام الأبيض رمزًا للحرية.
في وسط الجدارية، تظهر امرأة شابة ترفع يديها لتطلق حمامتين في السماء، وحولها تتناثر الألوان والأجساد في تناغم بصري يشيع الفرح والكرامة، بينما يظهر في أسفل الجدارية طفل يدير ظهره، إلى جانبه قفص مفتوح لا حمام فيه، كأنما يرمز لزوال القيود، وانبثاق الحرية الجديدة التي عمّت أرجاء الوطن بعد الثورة.
يقال إن الناس طيّروا الحمام الحقيقي في ساحة الجدارية لحظة تدشينها، ويقال أيضًا إنه بعد خمس سنوات من التدشين، إثر إعدام عبد الكريم قاسم، صعد مسلحون على سلالم وصبغوا حمامات الجدارية البيضاء بالأسود، في محاولة لمحو رمز الحرية منها، وكأنها محاولة لطمس لحظة تاريخية ارتبطت بالحلم العراقي.
لم يقتصر تأثير فائق حسن في هذه الجدارية على استلهام عناصر التراث الشعبي فقط، بل تجاوز ذلك إلى تقديم رؤية حداثية تعبّر عن تطور المجتمع العراقي وتطلعه نحو المساواة والعدل، وقد جمع في هذا العمل بين الرمزية التعبيرية، والتكوين الأوروبي، والرسالة الإنسانية، لتغدو الجدارية رمزًا خالدًا في الذاكرة البصرية للعراق المعاصر.
تبقى جدارية فائق حسن شاهدة على عظمة الفنان العراقي وأثره العميق في الساحة الفنية العالمية، وعلى قدرة الفن على رسم صورة حية للروح الوطنية والشعبية، وتأكيدًا على أن الفن قادر على تخليد الثورة والحرية بجمال اللون وقوة الرمز.
يومُ طارت الحمامات
3 دقيقة · Arabic · English
1 محطة لاكتشافها
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





