تمثال الملك فيصل الاول
تاريخي دليل صوتي

تمثال الملك فيصل الاول

الرصافة
نبذة

في قلب بغداد، وتحديدًا عند ساحةٍ تحمل الذاكرة الملكية للعراق، يقف تمثال الملك فيصل الأول شامخًا منذ عام 1933، كأحد أبرز المعالم النحتية في البلاد، من تنفيذ النحات الإيطالي كانوني كا، حيث يجسد هذا التمثال بدقة وأناقة شخصية فيصل بن الحسين، أول ملوك العراق بعد الاستقلال، والذي كان أحد أكثر الزعماء العرب تأثيرًا في القرن العشرين، إذ يجسّد التمثال تفاصيل دقيقة لملامحه ووقفته، تعكس الهيبة السياسية والحضور القيادي لملكٍ قاد ولادة الدولة العراقية الحديثة، بعدما خاض مسيرةً حافلة بدأت من الحجاز إلى دمشق وانتهت في بغداد، مرورًا بميادين الحرب والثورة والدبلوماسية، حيث وُلد في الطائف، وتربّى بين قبائل البادية، وتعلّم الفروسية واللغة التركية في رحاب الدولة العثمانية، ثم سافر إلى الأستانة مع والده الشريف حسين بن علي، وهناك تعلّم اللغات التركية والإنجليزية والفرنسية، وتزوّج من حزيمة بنت عمه، وعاد إلى مكة عام 1909، ليُكلّفه والده بقيادة السرايا العربية لقمع التمرّدات، قبل أن يُنتخب نائبًا عن جدة في مجلس المبعوثان العثماني، ما منحه خبرة سياسية مبكرة، أهلته لقيادة الجيش الشمالي في الثورة العربية الكبرى التي أعلنها والده عام 1916 ضد الحكم العثماني، حيث استطاع فيصل مع ضباطه، ومنهم لورنس العرب، أن يحقق سلسلة انتصارات انتهت بالسيطرة على العقبة، ثم الزحف نحو دمشق التي دخلها استقبالًا حافلًا عام 1918، ليعلن فيها حكومة عربية مستقلة، ويتوّج ملكًا على سوريا الكبرى عام 1920.

لكنّ القوى الاستعمارية لم تسمح للدولة الجديدة بالاستمرار، حيث وجهت فرنسا إنذار غورو مطالبًا بحلّ الجيش وتفكيك البلاد، ثم تقدّمت قواتها إلى مشارف دمشق، فكانت معركة ميسلون التي خاضها وزير الحربية يوسف العظمة ببسالة واستُشهد فيها، لتدخل القوات الفرنسية العاصمة وتُقصي الملك فيصل، الذي غادر دمشق إلى أوروبا، قبل أن يُعاد ترشيحه في مؤتمر القاهرة عام 1921 ليكون ملكًا على العراق بعد ثورة العشرين، حيث تمّت مبايعته بتصويت شعبي بلغ 96%، وتُوّج في 23 آب/أغسطس 1921 في ساحة ساعة القشلة ببغداد، ليكون أول ملوك المملكة العراقية الهاشمية، ويقود البلاد نحو الاستقلال، عبر توقيع معاهدة 1930 مع بريطانيا، التي مهدت لدخول العراق إلى عصبة الأمم كدولة مستقلة.

عرف الملك فيصل الأول بالحكمة والاعتدال، وكان يجمع بين فهم القبائل وإدراك متغيّرات العالم الحديث، فأسس مؤسسات الدولة، وشجع التعليم، وشارك في إعداد التشريعات، ورعى التوازن بين المكونات العراقية، لكن صحته بدأت بالتدهور، فسافر إلى سويسرا عام 1933 في رحلة علاجية، ليتوفى هناك بشكل مفاجئ في 8 أيلول/سبتمبر، وسط شكوك كثيرة أثيرت حول ظروف وفاته، إذ تحدّثت الصحف عن احتمال تعرّضه للتسميم من قبل أطراف سياسية أو استخباراتية، خاصة وأن تقارير الأطباء السويسريين أكدت سلامته قبل يومين فقط من وفاته، بينما أشارت روايات إلى أن الممرضة البريطانية المشرفة عليه قد دسّت له السمّ في مشروبه، ومع ذلك، سُجل سبب الوفاة الرسمي بأنه "تصلّب في الشرايين"، ونُقلت جثته من سويسرا إلى إيطاليا ثم فلسطين، ثم إلى بغداد، حيث شُيّع بموكب مهيب، ودُفن في المقبرة الملكية بالأعظمية، بعد أن أوصى قائلًا في لحظاته الأخيرة:

"لقد قمت بواجبي، فلتعش الأمة من بعدي بسعادة، وقوة، واتحاد."

واليوم، لا يقف تمثال الملك فيصل الأول مجرّد عمل نحتيّ كلاسيكي، بل هو شاهدٌ على حقبة من التحوّل العربي الكبير، ورمزٌ لرجلٍ جمع بين ثائر الصحراء وملك الدولة الحديثة، وبين فارس البادية وباني المؤسسات، ليبقى حيًا في ذاكرة بغداد، من خلال هذا التمثال الذي يتوسّط ساحة ما، لكنّه يتوسّط قلوب من يعرفون أن العراق لم يكن ليكون كما هو اليوم، لولا صبر وبصيرة فيصل الأول.

حكاية صوتية

الواقف في منتصف الطريق، على هامش الذاكرة

5 دقيقة · Arabic · English

استمع في التطبيق
تجارب صوتية

2 محطة لاكتشافها

  1. 1

    حصان واحد، ثلاث أمم

    يخفي هذا التمثال البرونزي للملك فيصل الأول، وهو يمتطي حصانه، سرًا غريبًا: فقد صُنع حصانه من القالب نفسه الذي استخدمه النحات الإيطالي بيترو كانونيكا في نحت تماثيل أتاتورك في أنقرة وسيمون بوليفار في روما. ثلاث شخصيات مؤسسة لدول، حرفيًا، تمتطي الحصان نفسه.

  2. 2

    أُطيح به وأُعيد بناؤه

    بعد ثورة 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، قام العراقيون بإزالة هذا التمثال، معتبرين إياه رمزاً للنفوذ البريطاني والحكم الملكي. وفي تحول لافت، أُعيد نصب نسخة طبق الأصل منه عام 1989 في عهد صدام حسين، مما يعكس تغير مشاعر العراق تجاه أول ملك له.

استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق

التطبيق