
جامع الشيخ معروف الكرخي
الشَّيخُ مَعْروفُ الكَرْخيّ هو مَعْروفُ بنُ فَيْروزَ الكَرْخيّ، أحدُ علماءِ الزمان في القرنِ الثاني الهجريّ، ومن أبرزِ أعلامِ التَّصوّف في بغداد. اشتهر بزُهده وورعه وتقواه، وكان يُعَدّ من أعلامِ الزُّهد والتصوّف في عصره. وُلِدَ الكَرْخيُّ مَسيحيًّا، ولكنّه اعتنقَ الإسلامَ في صِباه، وكان سببًا في إسلامِ والديه أيضًا. تُوفِّيَ الشَّيخُ مَعروفٌ في بغداد سنة ٢٠٠هـ / ٨١٥م.
ويُكَنّى الشَّيخُ مَعروفُ الكَرْخيّ بـ**(أبي محفوظ)**، وهو أحدُ ساداتِ الصوفيّة في بغداد، ومن جملةِ المشايخِ المشهورين بالزُّهد والورع والتقوى. وقد سُمِّيَ بالكَرْخيّ نسبةً إلى جانبِ الكَرْخ من بغداد حيث كان يسكن. ويُقال عنه إنّه كان من أصحابِ الأخلاقِ الرفيعة والتسامح، وكانوا يصفونه أيضًا بأنّه بركةُ العصر.
ويرتبطُ الشَّيخُ مَعروفُ الكَرْخيّ بسلسلةٍ صوفيّةٍ أخذها عن الإمامِ عليّ الرِّضا بنِ الإمامِ موسى الكاظم (عليهما السلام)، حيث أسلم على يديه، ويرتبطُ أيضًا بسلسلةٍ أخرى في العلم أخذها من أستاذه داود الطائي، عن حبيب العَجَمي، عن الحسن البصري، عن الإمام عليّ بن أبي طالب. ومن تلامذته الذين لازموه وبرزوا في العلم والتصوّف أبرزُهم الشَّيخُ السَّرِيُّ السَّقَطيّ، المدفونُ أيضًا في مقبرة الجامع.
جامعُ الشَّيخِ مَعروفِ الكَرْخيّ يتميّز بتصميمه المعماريّ البسيط والجميل، ويجمع بين الطرازِ الإسلاميّ الكلاسيكيّ واللمساتِ الخاصّة التي تعكس البيئةَ الثقافيّة والدينيّة في تلك الحِقبة. كما يتميّز الجامعُ بقُبَّتَين مميّزتَين تُزَيِّنان سقفَه، بالإضافة إلى مئذنتِه التي ترتفع لتُطلّ على منطقةِ الكَرْخ.
وقد تمّ تطويرُ الجامع وتجديدُه سنة ٦٢٢هـ على يدِ الخليفةِ العباسيّ الناصرِ لدينِ الله.
وبُنِيَت مئذنةُ الجامع، وهي شامخةٌ لحدِّ الآن، ويبلغ ارتفاعُها نحو ١٥م تقريبًا، وهي مُزَيَّنة بزخارفَ إسلاميّةٍ جميلةٍ جدًّا، وبقيت هذه المئذنةُ أثرًا تاريخيًّا في وسطِ الجامع إلى يومنا هذا. وبُنِيَت بجانب الجامع الجديد مئذنةٌ بارتفاع ٤٣م، وهي الآن تعلو الجامع.
ويُعَدّ جامعُ الشَّيخِ مَعروفِ الكَرْخيّ مكانًا للعبادة والروحانيّة، ويشهدُ على مرِّ العصور إقبالَ الزوّار من مختلف أنحاء العراق والعالَم الإسلاميّ. كما أنّه يُعَدّ رمزًا للتصوّف الإسلاميّ ومرجعيّةً دينيّةً لجميع الباحثين في هذا المجال.
ومرقدُ الشَّيخِ مَعروفِ الكَرْخيّ يُعتَبَر تحفةً هندسيّةً رائعةً وصَرحًا معماريًّا فريدًا من نوعه، يعكس جمالَ العمارةِ الإسلاميّة وروعةَ التصميم.
وتوجد فيه أغربُ منارةٍ في بقاعِ العالَمِ المسلم، حيث توجد منارةٌ في الداخل وتقع فوقَها قُبّة. يقال انها بُنِيَت عند بناء المرقد الحاليّ. وكانت هذه المنارةُ في الأصل في الخارج وليس في الداخل، لكن عندما تمّ الإعمار في نهايةِ التسعينات إلى بدايةِ الألفيّات من خلال هيئةِ الآثار واليونسكو، تمّ الاتّفاق على أنّ هذه المنارة يجب أن يُحافَظَ عليها؛ لأنّها تُعَدّ من أقدمِ المنارات في بغداد، وتمّ تصميمُ الحرم وترتيبُه من حول المنارة لتكون داخلَ البناية.
وكُتِبَ على المنارة أنّه تمّ اكتمالُ بنائها عام ٦١٢هـ، أي قبل عشرِ سنواتٍ من الخليفةِ العباسيّ الناصرِ لدينِ الله، لكن لا توجد معلوماتٌ كافيةٌ تُثبِت أنّ المنارة بُنِيَت في نفس وقت البناء الكامل للجامع أم لا.
وفي داخلِ المُصلّى يوجد سِردابٌ أرضيٌّ عميق، فيه بئرٌ عميقةٌ للماء يتبرّك الناس بها، ولها تاريخٌ طويل، وعمرُها أكثرُ من ألفِ سنة، والماءُ ينبعُ منها إلى يومنا هذا. وهذه البئرُ شرب منها الإمامُ عليّ الرِّضا، وشرب منها الشَّيخُ مَعروفُ الكَرْخيّ، والسَّرِيُّ السَّقَطيّ، والشَّيخُ عبدُ القادرِ الكيلانيّ. وماءُ البئر مفحوصٌ ونظيف، وتوجد فيه بعضُ الأملاح، لكنّه صالحٌ للشرب.
ويقع قبرُ الكَرْخيّ أسفلَ ١٥ مترًا من سطحِ الأرض، وشُيِّد شُبّاكُ الضريح بعد أمرِ سليمان القانونيّ (وهو عاشرُ سلاطينِ الدولةِ العثمانيّة). ويوجد في الأسفل قبرانِ آخران غير قبرِ الكَرْخيّ، يعود أحدُ هذين القبرين إلى أخيه موسى، والقبرُ الآخر هو للمتحدّث الكبير الدَّارَقُطنيّ، الذي ذكر في وصيّته أنّه يريد أن يُدفَن عند أقدامِ الشَّيخِ مَعروفِ الكَرْخيّ.
وكانت توجد مغارةٌ بالقرب من القبور، لكن تمّ إغلاقُها عند الترميم. وكان الكَرْخيّ يدخل هذه المغارة ويذهب لكي يتعلّم من عليّ الرِّضا بنِ موسى الكاظم (عليه السلام).
وكان الشَّيخُ عبدُ القادرِ الجيلانيّ يأتي كي يختلي ويتعبّد في الأسفل، ولا يأكل ولا يشرب إلّا من خلال البئر الموجود.
ولهذا الجامع مقبرةٌ تُعَدّ من أقدمِ المقابر في بغداد، وكان اسمُها سابقًا مقبرة الشوينزيّة، وبعدها سُمّيت باب الدير، وأخيرًا سُمّيت مقبرة معروف الكَرْخيّ لأنّه دُفِنَ فيها. وبهذه المقبرة العديدُ من الشخوصِ الكبار، والعلماء، والرموزِ الدينيّة والسياسيّة، وحتى العشائريّة.
ومن ضمنهم الفنَّانُ كريم الغزاليّ وزوجتُهُ سليمة مراد.
ويَتَجَلّى الإبداعُ المعماريّ في الجامع من خلال النظر إليه من جوانبَ عديدة؛ فإذا تمّت رؤيةُ الجامع من الأعلى يكون بشكلِ عينٍ، أمّا إذا تمّ النظرُ إليه من الأمام فيكون شكلُه يشبه صقرًا يتهيّبُ إلى التحليق.
الصبي الذي أسلم فأسلم والداه
3 دقيقة · Arabic · English
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





