
تل حرمل
تَلُّ حَرْمَل هو موقعٌ أثريٌّ يقع في العاصمة العراقية بغداد. وهو الاسمُ الحديثُ للموقع، إذ كان يُعرَفُ في العصور القديمة باسم شادوبوم، وكان يُمثِّلُ مركزًا إداريًّا تابعًا لمملكة إشْنُونَة، إحدى دويلات العراق القديم.
ويُشير معنى “شادوبوم” إلى “ديوان الحساب” أو “بيت المال”، مما يعكس الأهمية الإدارية والمالية البالغة لهذا الموقع في تلك الحقبة.
يَعودُ أقدمُ استيطانٍ سكنيٍّ في تلِّ حرمل إلى عهد الإمبراطورية الأكدية، ثم إلى عهد سلالة أُور الثالثة (٢١١٥–٢٠٠٤ ق.م). غير أن أوجَ ازدهار المدينة كان في منتصف العصر البابلي القديم، أي قبل نحو ٣٨٠٠ عام.
اكتُشفَت في الموقع مجموعةٌ من المباني المشيَّدة باللِبِن والطين، من ضمنها ستَّةُ معابد، أبرزها معبدٌ كبير بُني على طراز المعابد البابلية الجنوبية. وكان عند مدخل الحجرة الوسطى تمثالان لأسدين مصنوعين من الفخار، يقفان على جانبي البوابة، في مشهد مهيبٍ يعبّر عن رمزية السلطة والحماية.
ويتميّز التلُّ بشكلٍ مستطيلٍ غير منتظم، يبلغ طوله ١٤٧ مترًا، وعرضه ٩٨ مترًا، وتوجد في واجهته الشمالية بوابة واسعة، كما تنتصب في الزاوية الشمالية الشرقية بُرجان كبيران.
ويُعدُّ أعظم مبنى أثري تم اكتشافه في التل هو المعبد الرئيس، إلى جانب معبدين صغيرين تمّت صيانتهما وتسقيفهما حديثًا.
لم يكن تلُّ حرمل مركزًا دينيًّا فقط، بل كان أيضًا مركزًا علميًّا متقدِّمًا. فقد عثر علماء الآثار على أكثر من ألفي رَقيمٍ طينيّ داخل مبانيه، منها ما يشرح مسائل رياضية وهندسية معقّدة، مثل تشابه المثلثات القائمة الزاوية، وهي نظريةٌ سبق بها البابليون العالمَ اليوناني إقليدس بقرون عديدة.
كما وُجدت جداول رياضية موسَّعة تُعالج عمليات الضرب ورفع الأعداد والجذور، إضافة إلى جداول بمعكوسات الأعداد (لأغراض القسمة)، بل وُجدت مسائل حُلَّت باستخدام أساليب تُشبه اللوغاريتمات المعروفة اليوم.
ولم تقتصر الرقم الطينية على الرياضيات، بل شملت أيضًا معاجم لغوية، وقصصًا أدبية، وخرائط جغرافية، مما يدلُّ على ازدهارٍ ثقافيٍّ متنوع.
تُشير كثرة الرقم المكتشفة (التي تجاوزت ٢٠٠٠ لوح طيني) إلى أن تلَّ حرمل كان بمثابة أرشيف رسمي أو خزينة كتبٍ للدولة. وقد احتوت هذه الألواح على:
•عقود بيع وشراء وزواج وتَبَنٍّ وميراث.
•رسائل رسمية من ملوك مملكة إشْنونة.
•سجلات الضرائب، وأجور العمّال، والواردات المالية.
•صكوك مقاولات وشؤون إدارية واقتصادية متعدّدة.
ومن أبرز ما عُثِر عليه في الموقع، لوحان طينيان يحملان نسخة من قانون إشْنونة، المدَّونَة باللغة البابلية، ويعود تاريخهما إلى الفترة بين ١٩٠٠ و١٨٥٠ ق.م، أي إلى أوائل العصر البابلي القديم.
وهذا القانون يُعَدّ أقدم من شريعة حمورابي التي وُضعت عام ١٧٩٢ ق.م بنحو قرنٍ أو أكثر.
تضمَّنَ القانون المُكتشَف في تل حرمل واحدًا وستين مادةً قانونية، تناولت موضوعات مثل:
•السرقات، والاعتداء، والديون، والأحوال الشخصية، والأجور والأسعار،
•البيع والشراء والعقوبات والتعويضات.
وقد لاحظ الباحث والمؤرخ طه باقر (الذي قاد التنقيبات الأولى في الموقع بين عامي ١٩٤٥ و١٩٦٣م) أن هذا القانون هو أقدم شريعة مدوّنة وصلتنا من العراق القديم. وقد غيّر هذا الاكتشاف الاعتقاد السابق الذي كان يعتبر شريعة حمورابي أقدم قانون في التاريخ.
وفي مقارنة مهمة، أشار طه باقر إلى أن قانون إشْنونة يُشبه في صيغته شريعة حمورابي، وكذلك شريعة الملك لِبِتْ عِشْتار السومرية، التي وُجدت أجزاؤها في نفر، مما يضع تلَّ حرمل في موقع محوري ضمن تاريخ القانون الإنساني.
شادوبوم… بيت المال، ومهد القوانين
دليل مسموع متوفّر في التطبيق
2 محطة لاكتشافها
- 1
فيثاغورس، قبل ألف عام
من بين ما يقارب 3000 لوح مسماري تم اكتشافها في هذا التل داخل بغداد، كان هناك لوح رياضي يستخدم نظرية فيثاغورس لإيجاد قطر المستطيل. يعود تاريخ هذا اللوح إلى حوالي 1770 قبل الميلاد، مما يثبت أن علماء بابل كانوا على دراية بهذه النظرية قبل ألف عام كاملة من ولادة فيثاغورس.
- 2
قوانين إشنونا
أسفرت الحفريات نفسها عن اكتشاف نسخ من قوانين إشنونا، وهي من أقدم القوانين المعروفة، وتسبق حتى قوانين حمورابي الشهيرة. تفتح هذه الألواح نافذة على نظام العدالة في بلاد ما بين النهرين القديمة وعلى أنماط الحياة اليومية قبل نحو أربعة آلاف عام.
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





