
تمثال الشهيد عثمان العبيدي
وُلد عثمان بن علي بن عبد الحافظ العُبَيدي عام 1986 في محلة السفينة بالأعظمية، ونشأ في بيئة ضاربة الجذور في نهر دجلة، وسط عائلة عُرفت بعشيرة العُبَيد، ذات المكانة العريقة في المنطقة. كان شابًا موهوبًا بالسباحة منذ صغره، حتى لُقّب بـ”السابوح” نظرًا لسرعته الفائقة في الماء. ومع أنه كان لا يزال طالبًا في الصف الخامس الإعدادي، إلا أن سمعته في مهارة السباحة ذاعت بين أقرانه وأهل منطقته، الذين توارثوا فن السباحة كجزء من هويتهم النهرية البغدادية.
في 31 آب (25 رجب هجريًا)، وخلال مراسم زيارة ذكرى وفاة الإمام موسى الكاظم، اعتاد آلاف الزوار الشيعة عبور جسر الأئمة مشيًا من الأعظمية إلى الكاظمية، لإحياء المناسبة الدينية. في ذلك اليوم المشؤوم، كانت الأوضاع الأمنية هشة بعد الغزو الأميركي للعراق، وكانت الشرطة قد أغلقت جميع الطرق المؤدية للكاظمية عدا جسر الأئمة، مما سبب ازدحامًا خانقًا في الجسر.
فجأة، انتشر بين الحشود خبر عن وجود قنبلة على وشك الانفجار. سرت موجة من الذعر والهلع، وبدأ الزوّار بالتدافع والفرار، فتساقط المئات من الجسر، بعضهم دُفع وآخرون قفزوا من شدة الخوف. وقع مئات الزائرين في نهر دجلة، كثيرٌ منهم نساء وأطفال لا يعرفون السباحة، في مشهد فاجع هزّ ضمير العاصمة.
في الأعظمية، كان عثمان يستعد لامتحاناته حين سمع بالنداء العاجل من إمام جامع الإمام أبي حنيفة، الذي دعا أهل المنطقة لإغاثة الغرقى. لم يتردد عثمان، بل ترك كل شيء خلفه وركض مع شباب الأعظمية نحو الجسر، ثم خلع ملابسه وألقى بنفسه في النهر. بدأ يُنقذ الناس واحدًا تلو الآخر، سحب ستة أشخاص إلى ضفة النهر وسط صيحات الذهول والتأثر، وفي محاولته السابعة، حين هرع لإنقاذ امرأة، التفّت عباءتها حوله، فشلّت حركته، وغمره الماء. حاول أصدقاؤه انتشاله، لكن القدَر كان أسرع، فغرق عثمان شهيدًا للإنسانية.
خلّدت الأعظمية ذكرى عثمان العُبيدي بنصب تذكاري في محلة رأس الحوار، وسُمّيت مدارس وقاعات رياضية باسمه، وأُقيمت بطولات سباحة تحمل ذكراه. لم يكن مجرّد شاب ضحّى بنفسه فحسب، بل أصبح رمزًا حيًا للوحدة الوطنية، وقصة من قصص النبل العراقي التي ساهمت في تهدئة نيران الفتنة الطائفية بعد سنوات من الانقسام. لقد جسّد عثمان ببطولته معنى التآخي بين أبناء الوطن، حين قرّر أن يكون الجسر بين طائفتين مزّقتهما الحرب، فاختار أن يغرق ليحيا الآخر.
نهرٌ حمل جسدًا… وأيقظ وطنًا
2 دقيقة · Arabic · English
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





