
الحضرة القادرية
وُلد الشيخ عبد القادر الجيلاني في 11 ربيع الآخر سنة 470 هـ الموافق 6 نوفمبر 1077 م في منطقة جيلان شمال طبرستان وفق المصادر، وقد نشأ في أسرة حسنية النسب تعود إلى آل الهاشمي، واشتهر في التراث الإسلامي بأسماء ولقب سلطان الأولياء ومحيّي الدين وباز الله الأشهب، وكان معروفًا بأنه إمام صوفي وفقيه يتقن العلم الشرعي ويتصدى للوعظ والتأثير الروحي في الناس، وقد عُرف أيضًا بأنه يفتِي ويعلّم من مذهب الشافعي ثم الحنبلي، وقد أثر اسمه وانتشرت طريقته الصوفية اللاحقة التي سمت بـالطريقة القادرية نسبة إليه.
انتهت طفولة عبد القادر الجيلاني بنشأته على العلم والأدب والفقه، فبعد أن تلقى أساسيات طلب العلم في صغره، رحل إلى مدينة بغداد في نحو سنة 488 هـ وهو في سن الثامنة عشرة، وهناك التحق بمدرسة الشيخ أبو سعيد المخزومي التي كانت من أبرز مؤسسات التعليم في تلك الحقبة، ثم تعمّق في مختلف العلوم الإسلامية بين الفقه والحديث والعقيدة، حتى صار من أبرز العلماء الذين يُشار لهم بالبنان في بغداد، وتصدر للوعظ والتدريس والإفتاء على مدى سنين طويلة، مما جعله من علماء زمانه المعترف بهم في الحلقات العلمية.
امتد تأثير الشيخ الجيلاني في نفوس الناس لما كان يتمتع به من حضورٍ روحي قوي في الوعظ والتصوف، وقد اشتهر بطرق تعليمه في التربية الروحية والمنهج الصوفي الذي يؤكد على تنقية القلب وتقواه، وقد اجتمع حوله طلاب العلم والزهاد والمريدين من مناطق مختلفة، وكل ذلك انعكس في نمو الطريقة القادرية التي أصبحت من أشهر الطرق الصوفية في العالم الإسلامي، وقد ارتبط اسمه بها لقرون بعد وفاته، وظلَّت تنتشر وتتوسع في النفوس والقلوب حتى أصبحت جزءًا مهمًا من التاريخ الروحي للمسلمين.
كان للجيلاني أيضًا تأثير ملحوظ في العلاقات الفكرية والاجتماعية، فقد صنّف ودرّس في بغداد نحو عدد كبير من التلاميذ والعلماء الذين استفادوا من علمه، ويُذكر من بين أعماله ومؤلفاته تلك التي تُعرف باسم الغنية لطالبي طريق الحق والفتح الرباني وفتوح الغيب وغيرها من المصنفات التي انتشرت بين الباحثين في التصوف والفقه والعقيدة، وقد عُرف عنه أيضًا أنه كان يأكل من عمل يده ويعيش حياة زهد وتقشف، مما زاد من احترام الناس له ولعلمه ومكانته بين أهل العلم والدين.
توفي الشيخ عبد القادر الجيلاني في 10 ربيع الآخر سنة 561 هـ الموافق 19 فبراير 1166 م في مدينة بغداد عن عمرٍ يُناهز تسعين عامًا، وقد دفن في الحضرة القادرية في العراق، وبعد وفاته استمرّت أسرته وتلاميذه في نشر تعاليمه الروحية والعلمية، وظلّت الطريقة القادرية اسمًا بارزًا في التاريخ الإسلامي الروحي حتى العصر الحديث، مما جعل اسمه خالدًا بين العلماء الربانيين والمشايخ الصوفية.
الحضرة القادرية، المعروفة أيضًا باسم المدرسة القادرية, وقد كانت في الأصل مدرسة تُعرف باسم مدرسة باب الأزج أسّسها الشيخ أبو سعيد المخرمي سنة 541 هـ ثم جلس الشيخ عبد القادر الجيلاني للتدريس فيها ولما توفّي دفن هناك، ولاحقًا تغيّر اسم المكان من محلة باب الأزج إلى محلة باب الشيخ نسبةً إليه، وقد بُنيت وسُميت الحضرة باسم الشيخ الجيلاني وتمت إعادة بنائها بالكامل بعد أن دمرها المغول وبقيت أطلالًا، حتى أعاد بناءها المعماري معمار سنان بأمر من السلطان سليمان القانوني خلال فتح بغداد عام 1534م.
تُعد الحضرة القادرية أحد المراكز الرئيسية للتصوف في بغداد والعراق، وينتسب إليها الآلاف من الزوار من أرجاء العالم الإسلامي وغير الإسلامي، فهي تضم مسجدًا وضريحًا ومكتبة تعرف بالمكتبة القادرية التي تضم آلاف الكتب والمخطوطات النادرة في العلوم الإسلامية المختلفة، وتُعد هذه المكتبة من الكنوز الثقافية والعلمية التي تُضاف إلى وضوح الحضرة كمنارة دينية وحضارية في قلب بغداد، وقد سُمّيت الساحة القريبة منها أيضًا باسم ساحة الكيلاني نسبة لاسم الشيخ عبد القادر.
وللحضرة القادرية مكانة تاريخية وثقافية كبيرة في تاريخ بغداد على المستويات السياسية والاجتماعية، فقد كانت خلال العهد العثماني مقرًا للتجمعات والانتفاضات ضد الولاة الظالمين حيث يتجمع الناس فيها وينطلقون للمطالبة بحقوقهم، وقد تولّى الخطابة في الحضرة عدد كبير من الأعلام البارزين في العراق، منهم الشيخ عبد الكريم محمد المدرس وتلميذه عفيف الكيلاني ومحمود العيساوي وغيرهم من العلماء والدعاة الذين أثّروا في الحياة الدينية في بغداد.
وفي 28 أيار سنة 2007م وقعت حادثة تفجير بسيارة مفخخة استهدفت الضريح والمسجد الأثري في الحضرة القادرية، ما أدّى إلى مقتل وجرح عشرات المدنيين وتعرّض بعض الجدران الخارجية والأجزاء المعمارية للتدمير، إلا أن موقع الحضرة ظل يحتفظ بأهميته الدينية والتاريخية في بغداد كمنارة للصوفية وزيارة المؤمنين من مختلف الأطياف والأعمار.
بين المقبرة والمدرسة والحضرة
3 دقيقة · Arabic · English
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





