
حديقة حيوانات بغداد
متنزه الزوراء
حديقة حيوانات بغداد هي حديقة حيوانات تقع في قلب العاصمة العراقية بغداد، وتحديداً داخل متنزه الزوراء الشهير في جانب الكرخ،
وقد اعتُبرت على مدى عقود واحدة من أكبر وأقدم حدائق الحيوانات في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
تمتد الحديقة على مساحة واسعة تُقدّر بنحو خمسين دونماً ضمن رقعة متنزه الزوراء الأكبر، وتمثل اليوم واحدة من أهم الوجهات الترفيهية والتعليمية للعوائل العراقية والبغدادية على حدٍّ سواء.
وللحديث عن جذور هذه الحديقة لا بد من العودة إلى تاريخ بعيد جداً،
إذ إن فكرة جمع الحيوانات وعرضها في بغداد ليست وليدة العصر الحديث، بل تمتد إلى أعماق التاريخ الرافديني.
فقد أنشأ ملك الإمبراطورية الآشورية الوسطى آشور بيل كالا حدائق حيوانية ونباتية خلال القرن الحادي عشر قبل الميلاد،
وكان من بين جامعي الحيوانات المشهورين في بلاد ما بين النهرين الملك آشوربانيبال وملك بابل نبوخذ نصر الثاني.
وفي العصر العباسي، أُنشئ ما عُرف بـ"حير الوحوش" وهو بمثابة حديقة حيوانات ملكية، إلى جانب "دار الشجرة" في الجانب الشرقي من بغداد، وذلك في عهد الخلفاء العباسيين بين عامي 295 و320 للهجرة الموافق 908 إلى 932 ميلادية، مما يدل على أن بغداد عرفت مفهوم حدائق الحيوان منذ أكثر من ألف عام.
أما حديقة حيوانات بغداد الحديثة فقد تأسست في ستينيات القرن العشرين في منطقة السكك في بغداد، وكانت البدايات متواضعة وبسيطة سواء من حيث أعداد الحيوانات أو العاملين فيها.
وعندما شُيّد متنزه الزوراء عام 1973 في عهد الرئيس أحمد حسن البكر، تم نقل حديقة الحيوان إلى موقعها الحالي داخل المتنزه عام 1974، لتبدأ مرحلة جديدة من التطور والتوسع.
بدأت الحديقة بعد ذلك تتطور تدريجياً بفعل استيراد واستقدام حيوانات فريدة ونادرة من مناطق بعيدة عن العراق ومن قارات مختلفة حول العالم، ومع تكاثر هذه الحيوانات كان من الطبيعي أن تزداد أعداد المختصين والمهتمين بعلم الحيوان من الأطباء البيطريين والعمال ذوي الخبرة في فن التعامل مع الحيوانات المفترسة والأليفة على حد سواء.
غير أن الحديقة في مراحلها الأولى كانت صغيرة وغير كافية، حيث كانت أماكن احتجاز الحيوانات ضيقة وتُعتبر غير إنسانية بالمعايير الدولية.
وبعد حرب الخليج الأولى عام 1991، عانت حدائق الحيوانات في العراق بشكل عام من تبعات العقوبات الدولية التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق، مما أدى إلى محدودية شديدة في توفير الأطعمة والأدوية واللقاحات اللازمة لرعاية الحيوانات.
وفي ربيع عام 2002 أُغلقت حديقة الحيوانات بقرار من الرئيس صدام حسين لإجراء تجديدات وتحسينات عليها.
ثم جاءت الكارثة الكبرى مع غزو العراق عام 2003، حيث تعرضت حديقة حيوانات بغداد لدمار هائل خلال المعارك التي سبقت سقوط بغداد.
فقد اتخذ مقاتلون من فدائيي صدام مواقع دفاعية حول حديقة الحيوان عندما بدأت القوات الأمريكية معركة بغداد، مما اضطر عمال الحديقة إلى التوقف عن إطعام الحيوانات في أوائل شهر أبريل من ذلك العام حفاظاً على سلامتهم الشخصية.
وكانت النتيجة مأساوية بكل المقاييس، فمن بين 650 إلى 700 حيوان كانت تعيش في الحديقة قبل الغزو، لم ينجُ سوى 35 حيواناً فقط حتى اليوم الثامن من بدء الغزو، وأغلب الناجين كانوا من الحيوانات الكبيرة.
كما تعرضت الحديقة بعد ذلك لعمليات نهب وسرقة واسعة طالت مرافقها ومحتوياتها، مما أضاف بُعداً آخر من المعاناة إلى هذا المعلم البغدادي العريق.
لكن رغم هذا الدمار الكبير، لم تستسلم بغداد ولم يتخلَّ أهلها عن حديقتهم، فقد أُجريت على الحديقة أعمال صيانة وترميم مكثفة في الأعوام التالية للغزو، وبدأت رحلة طويلة لإعادة التأهيل والبناء.
تم استقدام حيوانات جديدة وإعادة تأهيل الأقفاص والمرافق البيطرية، حتى عادت الحديقة تدريجياً إلى الحياة.
واليوم تضم حديقة حيوانات بغداد ما يقارب 750 حيواناً بأصناف متعددة وفصائل تقارب 75 فصيلة مختلفة ما بين طيور ولبائن ومفترسات ومجترات وزواحف.
ومن بين الحيوانات المميزة والنادرة في الحديقة الأسد الأبيض الذي وُلد في بغداد نفسها وهو فصيلة نادرة تحدث نتيجة طفرة وراثية، ويُعرض للزوار لمدة ساعتين يومياً.
كما تضم الحديقة أسوداً كانت تُعرف بالأسود الرئاسية، وقد أهدى السيرك الروسي بعضها للجانب العراقي في سنوات سابقة.
وتوجد كذلك سلاحف معمّرة قد تعيش حتى 250 عاماً،
فيما يتراوح معدل أعمار الأسود والنمور في الحديقة بين 14 و20 عاماً بفضل العناية الطبية واللقاحات التي تُقدّم لها.
تحتوي الحديقة اليوم على عيادة طبية بيطرية متكاملة مجهزة لإجراء العمليات الجراحية المختلفة، وصيدلية تضم جميع الأدوية البيطرية اللازمة، بالإضافة إلى كادر طبي بيطري يعمل في فترتين صباحية ومسائية لرعاية الحيوانات ومتابعة حالتها الصحية.
كما يعمل في الحديقة مروّضون ومربّون متمرسون يتعاملون مع الحيوانات المفترسة بمهارة ودراية عالية، بعضهم يعمل في هذا المجال منذ سنوات طويلة حتى أصبحت الحيوانات تعرفهم وتميز روائحهم من مسافات بعيدة.
تستقبل حديقة الحيوانات أعداداً كبيرة من الزوار من داخل العراق وخارجه، خصوصاً خلال العطل الأسبوعية والأعياد والمناسبات الوطنية والدينية.
وتُعدّ الحديقة مكاناً تعليمياً مهماً يتيح للأطفال والعوائل فرصة التعرف على أنواع الحيوانات المختلفة ومشاهدتها عن قرب، كما أن بعض الحيوانات الأليفة يمكن للزوار إطعامها مما يوفر تجربة تفاعلية ممتعة.
ويشكل وجود الحديقة داخل متنزه الزوراء الأكبر ميزة إضافية، حيث يمكن للزوار الجمع بين زيارة حديقة الحيوانات والتنزه في المساحات الخضراء الشاسعة والاستمتاع بمدينة الألعاب وبرج الزوراء والمرافق الأخرى المتنوعة التي يوفرها المتنزه.
ورغم كل ما مرّت به من محن وتحديات عبر العقود، تظل حديقة حيوانات بغداد شاهدة حيّة على تاريخ طويل يمتد من "حير الوحوش" في العصر العباسي إلى يومنا هذا، مروراً بمراحل من الازدهار والدمار وإعادة البناء. وهي تمثل اليوم رمزاً لصمود بغداد وقدرة أهلها على النهوض من جديد بعد كل أزمة، وتبقى واحدة من أهم المعالم الترفيهية والتعليمية في قلب العاصمة العراقية التي تستقطب الزوار من جميع أنحاء العراق.
حديقة حيوانات بغداد
Arabic · English
استمع لهذه المحطة بالسرد — مجاناً في التطبيق
التطبيق