تمثال معروف الرصافي
المحطة 7مميّز

تمثال معروف الرصافي

شارع الرشيد

عن هذه المحطة

في قلب شارع الرشيد، وتحديدًا عند ساحة الأمين قرب سوق السراي والمدرسة المستنصرية الأثرية، ينتصب تمثال الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي، الذي يُعدّ أحد أبرز المعالم الثقافية والفنية في العاصمة بغداد، وقد أُزيح الستار عنه في عام 1970، بوصفه نصبًا تذكاريًا يخلّد اسم شاعرٍ مثّل ضمير عصره، وصوت الناس في لحظات التحوّل والاحتجاج، وقد صمّم هذا التمثال الخالد الفنان والنحّات إسماعيل فتّاح الترك باستخدام مادة البرونز، فجاء شامخًا بتفاصيله الدقيقة، معبّرًا عن وقفة الرصافي المتأملة ونظرته الواثقة، في مزيجٍ نادر من الواقعية الفنية والبُعد الرمزي، ليظلّ هذا التمثال شاهدًا على مكانة الرصافي الأدبية، وروحه التنويرية التي حفرت أثرها في الذاكرة العراقية.

ويُجسّد هذا التمثال شخصية معروف عبد الغني الجباري الحسيني، المولود في بغداد عام 1875، لأب كردي يعمل في الدولة العثمانية وأم عربية من عشيرة القراغول، وقد نشأ في بيئة فقيرة في محلة المهديّة، وتلقّى تعليمه الأولي في الكتاتيب والمدارس الدينية، ثم درس على يد كبار علماء بغداد أمثال عبد الوهاب النائب، قاسم القيسي، قاسم البياتي، محمود شكري الآلوسي، وقد لازم الآلوسي اثنتي عشرة سنة، وتخرّج عليه، ومنحه اسمه الجديد "الرصافي" ليُقابِل من حيث النبل والسمعة والقدوة شيخًا آخر من التصوّف وهو معروف الكرخي.

عمل الرصافي في بداية حياته معلّمًا في مدرسة الراشدية، ثم انتقل إلى التدريس في الإعدادية ببغداد، وسافر إلى إسطنبول حيث درّس في الكلية الشاهانية، وعمل في تحرير الصحف، منها جريدة سبيل الرشاد، وانتُخب عضوًا في مجلس المبعوثان العثماني عامي 1912 و1914، ثم عُيّن في دار المعلمين بالقدس عام 1920، قبل أن يعود إلى بغداد ويؤسّس جريدة الأمل، وينتخب عضوًا في مجمع اللغة العربية في دمشق، ويشغل مناصب تعليمية عدة مثل مفتش في مديرية المعارف وأستاذ في دار المعلمين العالية، وقد شكّلت تنقلاته بين إسطنبول، القدس، بغداد، الآستانة، دمشق ملامح شخصيته الأدبية والفكرية التي جمعت بين العروبة، والوعي الاجتماعي، والتأثر بالإصلاح الديني والسياسي.

امتاز أسلوب الرصافي بقوة اللغة ومتانة العبارة وصرامة المنطق، وله آراء نقدية جريئة تجاه السياسة والدين والسلطة والمجتمع، وقد جمع أشعاره في ديوانه الشهير "ديوان الرصافي" الذي قُسّم إلى أحد عشر بابًا تشمل موضوعات الكون والدين والفلسفة والسياسة والاجتماع والحرب والرثاء والوصف وعالم المرأة وغيرها، وقد خاض فيه قضايا الأمة، وعبّر عن بؤس الفقراء، ومقاومة الاستعمار، وفضح الاستبداد، ودعا إلى الثورة الاجتماعية والسياسية من أجل العدالة والحرية.

وقد عاصر الرصافي الشاعر جميل صدقي الزهاوي، واشتركا معًا في الدعوة إلى تحرير المرأة، ونزع الحجاب (العباءة) التقليدية، غير أن العلاقة بينهما لم تخلُ من الخصومة الأدبية والتنافس الحاد، وقد سُجّلت بينهما مناظرات وسجالات تعبّر عن حيوية الفكر النهضوي في العراق أوائل القرن العشرين.

ولهذا، لا يُعد تمثال الرصافي مجرد عمل نحتي على قارعة الطريق، بل هو تمثيل مرئي لشاعر ثائر وفكر متمرّد وروح وطنية صلبة، ظلّت حاضرة في ذاكرة الأدب والسياسة والاجتماع

وهكذا، يقف تمثال معروف الرصافي اليوم، عند تقاطع الزمن والرصيف، ليذكّر العابرين بأن الكلمة حين تكون صادقة، تظلّ أقوى من السيف، وأكثر بقاءً من كل سلطة عابرة.

حكاية صوتية · مميّز

تمثال معروف الرصافي

Arabic · English

استمع في التطبيق

استمع لهذه المحطة بالسرد — مجاناً في التطبيق

التطبيق