شارع حيفا
تاريخي دليل صوتي

شارع حيفا

الرصافة / السراي والمتنبي
نبذة

يُعدّ شارع حيفا في بغداد من الشوارع الأكثر إثارةً للجدل في الذاكرة المعاصرة للعاصمة العراقية، فهو ليس مجرد شارع يمتد على ضفة نهر دجلة من جهة الكرخ، بل هو مساحة محمّلة بالرمزية السياسية والعسكرية والعمرانية، حيث بدأ تاريخه الحديث في أوائل الثمانينيات حين شرعت أمانة بغداد بتنفيذه كمشروع تطوير حضري واسع النطاق يهدف إلى أن يكون واجهة حديثة تعكس وجه العراق العصري استعدادًا لاستضافة قمة عربية كان من المقرر عقدها في عام 1981، وقد اختير له اسم "حيفا" تيمنًا بالمدينة الفلسطينية الساحلية، في دلالة قومية سياسية واضحة كانت تنسجم مع الخطاب العربي لتلك المرحلة، وقد أدى هذا المشروع إلى إنشاء عمارات سكنية شاهقة على طول الشارع، وربطه بجسور استراتيجية تربط بين الكرخ والرصافة، مثل جسر باب المعظم، جسر الأحرار، وجسر الشهداء، كما أصبح يضم عددًا من المباني الحكومية البارزة، منها قصر رئاسي لصدام حسين، ووزارة العدل، ومتحف الفنون، ودائرة الإذاعة والتلفزيون العراقية، إلا أن هذا التطوير العمراني جاء على حساب أحياء بغداد القديمة، حيث تم تهديم أجزاء واسعة منها، مما خلّف أثرًا مؤلمًا في الذاكرة الحضرية لهوية بغداد التاريخية.

لكن ما بدأ كمشروع حداثي تحوّل لاحقًا إلى أحد أكثر مناطق العاصمة دموية واشتعالًا بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، إذ شهد شارع حيفا خلال عامي 2007 و2008 معارك ضارية ومعقّدة، كانت ذروتها في يناير/كانون الثاني 2007، حين أصبح الشارع الذي يبلغ طوله ميلين واحدًا من أخطر المناطق في العراق بحسب تصنيفات القيادة العسكرية الأمريكية، حيث كان يمر بمنطقة ذات أغلبية سُنيّة محاطة بأحياء ذات أغلبية شيعية، مما جعله خط تماس طائفي عنيف، حيث سيطرت الجماعات المسلّحة السُنية على المباني السكنية المرتفعة بعد أن فرّ سكانها بسبب الخوف والقتل الطائفي المتبادل، فيما شكّلت الاشتباكات الحاصلة مقدمة لعمليات التطهير الكبرى التي مهّدت لاحقًا للزيادة العسكرية الأميركية في صيف 2007.

وقد كانت المعارك التي دارت في يناير 2007 مثالًا صارخًا على شراسة القتال داخل المدن، إذ بدأت باكتشاف نقطة تفتيش وهمية يديرها متمردون، تبعها اشتباك عنيف مع القوات العراقية أدى إلى مقتل ثلاثين مسلحًا، ثم تصعيد متبادل بلغ ذروته في 9 يناير، حيث بدأت عملية عسكرية مشتركة بين القوات الأميركية والعراقية شملت اقتحام المباني واعتقال المشتبه بهم، إلا أن المتمردين أطلقوا نيرانًا كثيفة من المباني المرتفعة، ما أدى إلى احتجاز جنود أميركيين فوق الأسطح لساعات، وتطلب الأمر استدعاء مروحيات أباتشي، ومقاتلات إف-15، ومدرعات سترايكر، وأكثر من 1000 جندي عراقي، وبلغت شدة المعارك حدّ أن بغداد بأكملها سمعت دويّ الانفجارات، حيث استمر القتال لأكثر من ثلاثة أيام، قُتل خلالها 16 جنديًا عراقيًا، و73 مسلحًا، فيما عُرضت صور الاشتباكات حول العالم بالتزامن مع خطاب الرئيس جورج بوش حول زيادة القوات في العراق.

وفي 24 يناير من نفس العام، أُعيد شن الهجوم في محاولة ثانية لتطهير الشارع، شاركت فيها تشكيلات متعددة من القوات الأميركية والعراقية، ووقعت اشتباكات استمرت ثماني ساعات متواصلة، قُتل فيها 30 متمردًا، وأُسر 35 آخرون، وقُتل جندي أميركي واحد، وهي معركة وُصفت بأنها من القلائل التي خاضها الطرفان وجهًا لوجه في شوارع بغداد، وأسفرت عن تغييرات سياسية فورية، حيث قام رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي بإقالة القائد العسكري السُني المسؤول عن القطاع، في خطوة وُصفت بأنها مدفوعة بأسباب طائفية أكثر من كونها مهنية، خاصة وأن القائد المُقال كان قد ضغط على الميليشيات الشيعية أيضًا، ما أثار تساؤلات واسعة حول مدى حيادية القرار السياسي والأمني في تلك المرحلة.

ويُذكر كذلك أن الشارع شهد في عام 2004 حادثة مؤلمة حين أطلقت مروحية أميركية النار على مدنيين تجمعوا بالقرب من مركبة مدمّرة، ما أسفر عن مقتل صحفي عراقي ومواطنين آخرين، كما كان معقلًا لنشاط تنظيم القاعدة حين أُعلن عن قيام الدولة الإسلامية في العراق في أكتوبر 2006 كبديل عن مجلس شورى المجاهدين، ما زاد من تعقيد الوضع الأمني فيه، إلى أن استطاعت القوات العراقية استعادة السيطرة عليه في عام 2008 بعد معارك استنزفت الأرواح والمباني والذاكرة.

ورغم ما مرّ به شارع حيفا من دمار واشتباكات وأحداث أليمة، لا يزال اليوم قائمًا كشاهد على التحوّلات الكبرى في تاريخ العراق المعاصر، ممزقًا بين صورة حلم الحداثة الذي بُني لأجله في الثمانينيات، وندوب المعارك التي حملها في الألفية الجديدة، ليبقى في وجدان البغداديين شارعًا من نار وذاكرة، يروي دون أن يتكلّم، حكاية وطنٍ عاش بين التخطيط والتفجير، وبين المعمار والمأساة.

حكاية صوتية

شارع يحمل الالم الزمن

5 دقيقة · Arabic · English

استمع في التطبيق
تجارب صوتية

4 محطة لاكتشافها

  1. 1

    تمثال مار جرجس او خضر الياس

    على ضفة نهر دجلة، بالقرب من مقام خضر الياس في بغداد، ينتصب تمثال خزفيّ بديع يمثّل شكل شمعة، من تصميم الفنان العراقي سعد شاكر، أحد أبرز الخزّافين في البلاد، وقد أُنجز هذا العمل عام 1980 ليُجسّد مشهدًا مألوفًا في الذاكرة الشعبية البغدادية، حين اعتاد الناس إشعال الشموع مع غروب الشمس ورميها في النهر، طلبًا لتحقيق الأمنيات والدعوات، ليصبح هذا التمثال بمرور الزمن رمزًا بصريًا لطقس عابر للأديان والطوائف، يلتقي فيه الجمال الحسي مع التوق الروحي. ويكتسب هذا التمثال رمزيته من ارتباطه العميق باسم الخضر (الخَضِر)، ذلك "العبد الصالح" الذي ورد ذكره في سورة الكهف (الآيات 65–82) من القرآن الكريم، والذي التقاه النبي موسى عليه السلام في رحلة بحثه عن العلم، ليشهد معه سلسلة من الأحداث الغامضة التي لم تتضح حكمتها إلا في النهاية، حين شرح الخضر مقاصده من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، مما جعل شخصية الخضر تُحاط بهالة من الغموض والعلم اللدنّي في الوعي الإسلامي، دون أن يُسمّى نبيًا صريحًا، بل وُصف فقط بأنه "عبدٌ من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلّمناه من لدنّا علمًا"، ومن هنا نشأت حوله مكانة خاصة في الفكر الصوفي، حيث يُنظر إليه في كثير من الطرق الروحية كـ"وليّ حي" حاضر غيبيًا في حياة المريدين، وتجري عليه أشكال من التوسل والاحتفال الشعبي لا تزال قائمة حتى اليوم. ويُعرف في العراق عيد خضر الياس، الذي يُحتفل به في شهر فبراير من كل عام، وقد أُدرج مؤخرًا على لائحة التراث اللامادي، حيث تُضاء الشموع وتُرمى في نهر دجلة كما في الطقس القديم، ويُطلب فيه تحقيق الأماني، ويجتمع فيه الناس حول ذكرى الخضر، بشكل يُعيد صوغ العلاقة بين الناس، والماء، والدعاء في سياق عاطفي–جماعي يمزج بين الإيمان والحنين. وفي المعتقد المسيحي، تبرز شخصية مار جرجس (سانت جورج)، الذي عاش في القرن الثالث أو الرابع الميلادي، وكان جنديًا في الجيش الروماني، عُرف بإيمانه القوي رغم الاضطهاد، واستُشهد في مدينة اللد بفلسطين، وتعلّق به المسيحيون في الشرق والغرب، وارتبط اسمه بالأسطورة الشهيرة "مار جرجس والتنين"، حيث يُصوَّر كبطل يغلب قوى الشر، ويُنقذ أميرة أو شعبًا، مما جعله نموذجًا للقديس الشفيع والمجاهد الروحي، وله كنائس كثيرة في العراق والمشرق، ويُحتفل به غالبًا في 23 أبريل، ورغم اختلاف الأصول بينه وبين الخضر، فقد اختلطت الرموز المرتبطة بهما في الوعي الشعبي في مناطق مثل العراق وبلاد الشام، حيث بات البعض يرى أن المقامات والأضرحة التي تُنسب إلى "الخضر" هي نفسها أحيانًا مقامات "مار جرجس"، وتشترك في رمزية المساعدة الغيبية، والانتصار، والشفاعة. أما في المعتقد اليزيدي، فإن لخضر الياس مكانة روحية خاصة، إذ يُحتفل به تحت اسم "عيد خدر الياس"، الذي يقع في أول خميس من شهر فبراير وفق التقويم الشرقي، ويُسبقه ثلاثة أيام من الصيام، وتُقام طقوس مميزة خلاله، منها شرب الماء ليلة العيد على أمل رؤية رمزية للنصيب في المنام، وتحضير الطحين المحمّص وتركه في مكان هادئ لزيارة خدر الياس ليلًا، حيث يُعتقد أنه يترك "بصمته" على المكان، ويُعدّ عندهم رسولًا أو نبيًا، ويؤمنون بتناسخ الأرواح، ويربطون روحه بأحد أوليائهم المعروفين باسم بيري لبنا، كما يعدّ الصوم له من فرائض الطريقة، ويُنظر إليه كرمزٍ للقرب من الله والتطهّر من النفس والهوى. وهكذا، يُشكّل هذا التمثال الصغير في حجمه، القريب من مقام خضر الياس، بوابة لرؤية كبرى تتقاطع فيها الرموز الدينية والفنية والأسطورية، حيث يلتقي الخضر ومار جرجس، ويتجاور الدعاء مع الحكاية، وتُستعاد طقوس شعبية تشترك فيها المسلمون، والمسيحيون، واليزيديون، في مشهد حيّ من مشاهد الذاكرة الدينية المشتركة في العراق، التي تُقاوم التجزئة، وتقول بأن النهر واحد، والشعلة واحدة، والأمنيات التي تُرمى فيه لا تسأل عن طائفة من ألقاها، بل فقط عن صدق قلبه.

    مميّز
  2. 2

    دار توفيق السويدي

    في شارع حيفا، حيث يمتزج صخب المدينة الحديثة بعبق التاريخ، تقف دار توفيق السويدي شامخةً كشاهدٍ على عصرٍ سياسيٍّ مضطربومرحلة من التحوّلات الكبرى في العراق. لم تكن هذه الدار مجرّد مسكنٍ لرجلٍ بارز، بل تحوّلت إلى رمز ثقافي وسياسي، لا يزال يحفظ تفاصيل حياة أحد أعمدة العراق الملكي. وُلد توفيق السويدي في بغداد، وينحدر من عشيرة البو مدلل من عشائر الدور، وهي من قبائل بني سودة الزبيدية. تلقّب عائلته بـ"السويدي" نسبة إلى جدّه الأكبر عبد الله السويدي، أحد أعلام العراق الدينيين في القرن الثامن عشر. تخرّج السويدي في جامعة السوربون بباريس، وكان من أوائل رجال القضاء في العراق، ومن أوائل مدرّسي "مدرسة الحقوق" في بغداد، التي أصبحت فيما بعد كلية الحقوق. شغل مناصب حكومية رفيعة، أبرزها رئاسة الوزراء في أربع حكومات أعوام 1929، 1930، 1946، و1950، إضافة إلى منصب وزير الخارجية خلال فترة الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن عام 1958. وكان أيضًا من مؤسسي جمعية العربية الفتاة، المطالبة باستقلال العرب عن الدولة العثمانية. بُنيت الدار عام 1932 على يد المعمار نعمان منيب المتولي، بأسلوب إنكليزي كلاسيكي مستورد، ونفذ البناء أحد أعمدة العمارة البغدادية التقليدية، الأسطة الماز. وما زالت الحروف TS ظاهرة على واجهة الدار العلوية، في إشارة إلى اسم صاحبها. سكن توفيق السويدي الدار حتى وفاته في 15 تشرين الأول 1968، بعد أن غادر العراق في أعقاب خروجه من السجن عام 1961، حيث سُجن عقب ثورة 14 تموز 1958، بعد أن تمّت مداهمة الدار ومصادرة أوراقه ومكتبته، بما في ذلك وصية عبد المحسن السعدون، التي كانت مودعة لديه واختفت إلى اليوم. بعد وفاته، استُخدمت الدار لسنوات من قبل الجمعية التعاونية لوزارة التربية حتى عام 1981، ثم تحوّلت عام 1988 إلى مقرّ لـدار المخطوطات العراقية التابعة للمتحف العراقي، والتي تُعرف اليوم باسم "المركز الوطني للمخطوطات"، ولا تزال تؤدي دورها كمخزن حيّ للذاكرة الثقافية والمعرفية في العراق. رغم تحوّلها من دار خاصة إلى مؤسسة حكومية ثقافية، لا تزال دار توفيق السويدي تحمل بصمتها الأصلية: من العمارة الكلاسيكية إلى الأبواب الخشبية، ومن النقوش الدقيقة إلى روح صاحبها، التي تسكن المكان بصمت ووقار. هي ليست مجرد دار، بل صفحة من تاريخ العراق السياسي والمعماري والثقافي، مفتوحة أمام من أراد أن يقرأ.

    مميّز
  3. 3

    بيوت آل ظاهر

    في شارع حيفا ببغداد، وعلى ضفاف التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق، تنتصب الداران التوأمان لآل الظاهر كواحد من أندر الشواهد الحيّة التي تجمع بين جمال العمارة البغدادية وذاكرة رجال الدولة الذين مرّوا من هنا. تنتمي هذه الدور التراثية إلى أسرة الظاهر، المنحدرة من عشائر البو سلطان في الحلة، وهي من فروع قبيلة بني سودة الزبيدية. والد الأسرة، الشيخ أحمد الظاهر، كان أحد وجوه بغداد البارزين، شارك في ثورة العشرين، وكان مجلسه في داره مفتوحًا للزائرين في الصالحية حتى وفاته عام 1932. تم بناء هذين المنزلين التوأمين عام 1936 على يد المعمار البغدادي إبراهيم جاسم العبطة، بتكليف من عبد الرزاق أحمد الظاهر، الذي طلب أن يُنفَّذ البناء على نمط منازل آل المميز آنذاك. استغرق البناء عامين كاملين، وأشرف عبد الرزاق بنفسه على جميع مراحل التنفيذ. وقد خُصّصت هذه الدور لاحقًا كموقع تراثي من قبل الجهات الرسمية، تخليدًا لأهمية من سكنوها. عبد الرزاق أحمد الظاهر (1907–2003): محامٍ عراقي، وُلد في بغداد وتخرّج في كلية الحقوق عام 1934، بعد دراسة قصيرة في الجامعة الأمريكية ببيروت. شغل مناصب مهمة في الدولة، أبرزها وزارة الاقتصاد في حكومة علي جودت الأيوبي (1949–1950). عُرف بمواقفه السياسية الجريئة، واعتُقل في حملة عام 1952 بسبب نقده اللاذع للسلطة. بعد ثورة 1958، اختار الحياد السياسي، باستثناء مشاركته في لجنة قانون الإصلاح الزراعي. عبد الهادي أحمد الظاهر (1898–1978): قاضٍ وإداري بارز، كانت له بصمة واضحة في الحياة السياسية خلال العهد الملكي. انتمى لعدة أحزاب سياسية منها: حزب الأمة (1924)، حزب الأحرار (1946)، وحزب الجبهة الشعبية (1951). شغل مناصب نيابية ووزارية متعددة، وكان أحد الأصوات البارزة في الحراك السياسي العراقي في النصف الأول من القرن العشرين. تشكّل دور آل الظاهر اليوم نقطة التقاء بين العمارة الراقية والذاكرة الوطنية، وهي ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل صفحات حيّة من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي. عند التجوّل بين أروقة المنزلين، يشعر الزائر بأنه لا يرى حجارةً وجدرانًا فقط، بل يسمع أصداء النقاشات السياسية، وأحاديث المجالس القديمة، ويرى ملامح بغداد الملكية قبل أن تُطوى تلك الصفحات إلى الأبد.

    مميّز
  4. 4

    تمثال الملك فيصل الاول

    في قلب بغداد، وتحديدًا عند ساحةٍ تحمل الذاكرة الملكية للعراق، ينتصب تمثال الملك فيصل الأول شامخًا منذ عام 1933، كأحد أبرز المعالم النحتية في البلاد، من تنفيذ النحات الإيطالي كانوني كا، حيث يجسد هذا التمثال بدقة وأناقة شخصية فيصل بن الحسين، أول ملوك العراق بعد الاستقلال، والذي كان أحد أكثر الزعماء العرب تأثيرًا في القرن العشرين، إذ يجسّد التمثال تفاصيل دقيقة لملامحه ووقفته، تعكس الهيبة السياسية والحضور القيادي لملكٍ قاد ولادة الدولة العراقية الحديثة، بعدما خاض مسيرةً حافلة بدأت من الحجاز إلى دمشق وانتهت في بغداد، مرورًا بميادين الحرب والثورة والدبلوماسية، حيث وُلد في الطائف، وتربّى بين قبائل البادية، وتعلّم الفروسية واللغة التركية في رحاب الدولة العثمانية، ثم سافر إلى الأستانة مع والده الشريف حسين بن علي، وهناك تعلّم اللغات التركية والإنجليزية والفرنسية، وتزوّج من حزيمة بنت عمه، وعاد إلى مكة عام 1909، ليُكلّفه والده بقيادة السرايا العربية لقمع التمرّدات، قبل أن يُنتخب نائبًا عن جدة في مجلس المبعوثان العثماني، ما منحه خبرة سياسية مبكرة، أهلته لقيادة الجيش الشمالي في الثورة العربية الكبرى التي أعلنها والده عام 1916 ضد الحكم العثماني، حيث استطاع فيصل مع ضباطه، ومنهم لورنس العرب، أن يحقق سلسلة انتصارات انتهت بالسيطرة على العقبة، ثم الزحف نحو دمشق التي دخلها استقبالًا حافلًا عام 1918، ليعلن فيها حكومة عربية مستقلة، ويتوّج ملكًا على سوريا الكبرى عام 1920. لكنّ القوى الاستعمارية لم تسمح للدولة الجديدة بالاستمرار، حيث وجهت فرنسا إنذار غورو مطالبًا بحلّ الجيش وتفكيك البلاد، ثم تقدّمت قواتها إلى مشارف دمشق، فكانت معركة ميسلون التي خاضها وزير الحربية يوسف العظمة ببسالة واستُشهد فيها، لتدخل القوات الفرنسية العاصمة وتُقصي الملك فيصل، الذي غادر دمشق إلى أوروبا، قبل أن يُعاد ترشيحه في مؤتمر القاهرة عام 1921 ليكون ملكًا على العراق بعد ثورة العشرين، حيث تمّت مبايعته بتصويت شعبي بلغ 96%، وتُوّج في 23 آب/أغسطس 1921 في ساحة ساعة القشلة ببغداد، ليكون أول ملوك المملكة العراقية الهاشمية، ويقود البلاد نحو الاستقلال، عبر توقيع معاهدة 1930 مع بريطانيا، التي مهدت لدخول العراق إلى عصبة الأمم كدولة مستقلة. عرف الملك فيصل الأول بالحكمة والاعتدال، وكان يجمع بين فهم القبائل وإدراك متغيّرات العالم الحديث، فأسس مؤسسات الدولة، وشجع التعليم، وشارك في إعداد التشريعات، ورعى التوازن بين المكونات العراقية، لكن صحته بدأت بالتدهور، فسافر إلى سويسرا عام 1933 في رحلة علاجية، ليتوفى هناك بشكل مفاجئ في 8 أيلول/سبتمبر، وسط شكوك كثيرة أثيرت حول ظروف وفاته، إذ تحدّثت الصحف عن احتمال تعرّضه للتسميم من قبل أطراف سياسية أو استخباراتية، خاصة وأن تقارير الأطباء السويسريين أكدت سلامته قبل يومين فقط من وفاته، بينما أشارت روايات إلى أن الممرضة البريطانية المشرفة عليه قد دسّت له السمّ في مشروبه، ومع ذلك، سُجل سبب الوفاة الرسمي بأنه "تصلّب في الشرايين"، ونُقلت جثته من سويسرا إلى إيطاليا ثم فلسطين، ثم إلى بغداد، حيث شُيّع بموكب مهيب، ودُفن في المقبرة الملكية بالأعظمية، بعد أن أوصى قائلًا في لحظاته الأخيرة: "لقد قمت بواجبي، فلتعش الأمة من بعدي بسعادة، وقوة، واتحاد." واليوم، لا يقف تمثال الملك فيصل الأول مجرّد عمل نحتيّ كلاسيكي، بل هو شاهدٌ على حقبة من التحوّل العربي الكبير، ورمزٌ لرجلٍ جمع بين ثائر الصحراء وملك الدولة الحديثة، وبين فارس البادية وباني المؤسسات، ليبقى حيًا في ذاكرة بغداد، من خلال هذا التمثال الذي يتوسّط ساحة ما، لكنّه يتوسّط قلوب من يعرفون أن العراق لم يكن ليكون كما هو اليوم، لولا صبر وبصيرة فيصل الأول.

    مميّز

استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق

التطبيق