تمثال مار جرجس او خضر الياس
المحطة 1مميّز

تمثال مار جرجس او خضر الياس

شارع حيفا

عن هذه المحطة

على ضفة نهر دجلة، بالقرب من مقام خضر الياس في بغداد، ينتصب تمثال خزفيّ بديع يمثّل شكل شمعة، من تصميم الفنان العراقي سعد شاكر، أحد أبرز الخزّافين في البلاد، وقد أُنجز هذا العمل عام 1980 ليُجسّد مشهدًا مألوفًا في الذاكرة الشعبية البغدادية، حين اعتاد الناس إشعال الشموع مع غروب الشمس ورميها في النهر، طلبًا لتحقيق الأمنيات والدعوات، ليصبح هذا التمثال بمرور الزمن رمزًا بصريًا لطقس عابر للأديان والطوائف، يلتقي فيه الجمال الحسي مع التوق الروحي.

ويكتسب هذا التمثال رمزيته من ارتباطه العميق باسم الخضر (الخَضِر)، ذلك "العبد الصالح" الذي ورد ذكره في سورة الكهف (الآيات 65–82) من القرآن الكريم، والذي التقاه النبي موسى عليه السلام في رحلة بحثه عن العلم، ليشهد معه سلسلة من الأحداث الغامضة التي لم تتضح حكمتها إلا في النهاية، حين شرح الخضر مقاصده من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، مما جعل شخصية الخضر تُحاط بهالة من الغموض والعلم اللدنّي في الوعي الإسلامي، دون أن يُسمّى نبيًا صريحًا، بل وُصف فقط بأنه "عبدٌ من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلّمناه من لدنّا علمًا"، ومن هنا نشأت حوله مكانة خاصة في الفكر الصوفي، حيث يُنظر إليه في كثير من الطرق الروحية كـ"وليّ حي" حاضر غيبيًا في حياة المريدين، وتجري عليه أشكال من التوسل والاحتفال الشعبي لا تزال قائمة حتى اليوم.

ويُعرف في العراق عيد خضر الياس، الذي يُحتفل به في شهر فبراير من كل عام، وقد أُدرج مؤخرًا على لائحة التراث اللامادي، حيث تُضاء الشموع وتُرمى في نهر دجلة كما في الطقس القديم، ويُطلب فيه تحقيق الأماني، ويجتمع فيه الناس حول ذكرى الخضر، بشكل يُعيد صوغ العلاقة بين الناس، والماء، والدعاء في سياق عاطفي–جماعي يمزج بين الإيمان والحنين.

وفي المعتقد المسيحي، تبرز شخصية مار جرجس (سانت جورج)، الذي عاش في القرن الثالث أو الرابع الميلادي، وكان جنديًا في الجيش الروماني، عُرف بإيمانه القوي رغم الاضطهاد، واستُشهد في مدينة اللد بفلسطين، وتعلّق به المسيحيون في الشرق والغرب، وارتبط اسمه بالأسطورة الشهيرة "مار جرجس والتنين"، حيث يُصوَّر كبطل يغلب قوى الشر، ويُنقذ أميرة أو شعبًا، مما جعله نموذجًا للقديس الشفيع والمجاهد الروحي، وله كنائس كثيرة في العراق والمشرق، ويُحتفل به غالبًا في 23 أبريل، ورغم اختلاف الأصول بينه وبين الخضر، فقد اختلطت الرموز المرتبطة بهما في الوعي الشعبي في مناطق مثل العراق وبلاد الشام، حيث بات البعض يرى أن المقامات والأضرحة التي تُنسب إلى "الخضر" هي نفسها أحيانًا مقامات "مار جرجس"، وتشترك في رمزية المساعدة الغيبية، والانتصار، والشفاعة.

أما في المعتقد اليزيدي، فإن لخضر الياس مكانة روحية خاصة، إذ يُحتفل به تحت اسم "عيد خدر الياس"، الذي يقع في أول خميس من شهر فبراير وفق التقويم الشرقي، ويُسبقه ثلاثة أيام من الصيام، وتُقام طقوس مميزة خلاله، منها شرب الماء ليلة العيد على أمل رؤية رمزية للنصيب في المنام، وتحضير الطحين المحمّص وتركه في مكان هادئ لزيارة خدر الياس ليلًا، حيث يُعتقد أنه يترك "بصمته" على المكان، ويُعدّ عندهم رسولًا أو نبيًا، ويؤمنون بتناسخ الأرواح، ويربطون روحه بأحد أوليائهم المعروفين باسم بيري لبنا، كما يعدّ الصوم له من فرائض الطريقة، ويُنظر إليه كرمزٍ للقرب من الله والتطهّر من النفس والهوى.

وهكذا، يُشكّل هذا التمثال الصغير في حجمه، القريب من مقام خضر الياس، بوابة لرؤية كبرى تتقاطع فيها الرموز الدينية والفنية والأسطورية، حيث يلتقي الخضر ومار جرجس، ويتجاور الدعاء مع الحكاية، وتُستعاد طقوس شعبية تشترك فيها المسلمون، والمسيحيون، واليزيديون، في مشهد حيّ من مشاهد الذاكرة الدينية المشتركة في العراق، التي تُقاوم التجزئة، وتقول بأن النهر واحد، والشعلة واحدة، والأمنيات التي تُرمى فيه لا تسأل عن طائفة من ألقاها، بل فقط عن صدق قلبه.

حكاية صوتية · مميّز

تمثال مار جرجس او خضر الياس

Arabic · English

استمع في التطبيق

استمع لهذه المحطة بالسرد — مجاناً في التطبيق

التطبيق