
دار توفيق السويدي
شارع حيفا
في شارع حيفا، حيث يمتزج صخب المدينة الحديثة بعبق التاريخ، تقف دار توفيق السويدي شامخةً كشاهدٍ على عصرٍ سياسيٍّ مضطربومرحلة من التحوّلات الكبرى في العراق. لم تكن هذه الدار مجرّد مسكنٍ لرجلٍ بارز، بل تحوّلت إلى رمز ثقافي وسياسي، لا يزال يحفظ تفاصيل حياة أحد أعمدة العراق الملكي.
وُلد توفيق السويدي في بغداد، وينحدر من عشيرة البو مدلل من عشائر الدور، وهي من قبائل بني سودة الزبيدية. تلقّب عائلته بـ"السويدي" نسبة إلى جدّه الأكبر عبد الله السويدي، أحد أعلام العراق الدينيين في القرن الثامن عشر.
تخرّج السويدي في جامعة السوربون بباريس، وكان من أوائل رجال القضاء في العراق، ومن أوائل مدرّسي "مدرسة الحقوق" في بغداد، التي أصبحت فيما بعد كلية الحقوق. شغل مناصب حكومية رفيعة، أبرزها رئاسة الوزراء في أربع حكومات أعوام 1929، 1930، 1946، و1950، إضافة إلى منصب وزير الخارجية خلال فترة الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن عام 1958. وكان أيضًا من مؤسسي جمعية العربية الفتاة، المطالبة باستقلال العرب عن الدولة العثمانية.
بُنيت الدار عام 1932 على يد المعمار نعمان منيب المتولي، بأسلوب إنكليزي كلاسيكي مستورد، ونفذ البناء أحد أعمدة العمارة البغدادية التقليدية، الأسطة الماز. وما زالت الحروف TS ظاهرة على واجهة الدار العلوية، في إشارة إلى اسم صاحبها.
سكن توفيق السويدي الدار حتى وفاته في 15 تشرين الأول 1968، بعد أن غادر العراق في أعقاب خروجه من السجن عام 1961، حيث سُجن عقب ثورة 14 تموز 1958، بعد أن تمّت مداهمة الدار ومصادرة أوراقه ومكتبته، بما في ذلك وصية عبد المحسن السعدون، التي كانت مودعة لديه واختفت إلى اليوم.
بعد وفاته، استُخدمت الدار لسنوات من قبل الجمعية التعاونية لوزارة التربية حتى عام 1981، ثم تحوّلت عام 1988 إلى مقرّ لـدار المخطوطات العراقية التابعة للمتحف العراقي، والتي تُعرف اليوم باسم "المركز الوطني للمخطوطات"، ولا تزال تؤدي دورها كمخزن حيّ للذاكرة الثقافية والمعرفية في العراق.
رغم تحوّلها من دار خاصة إلى مؤسسة حكومية ثقافية، لا تزال دار توفيق السويدي تحمل بصمتها الأصلية: من العمارة الكلاسيكية إلى الأبواب الخشبية، ومن النقوش الدقيقة إلى روح صاحبها، التي تسكن المكان بصمت ووقار. هي ليست مجرد دار، بل صفحة من تاريخ العراق السياسي والمعماري والثقافي، مفتوحة أمام من أراد أن يقرأ.
دار توفيق السويدي
Arabic · English
استمع لهذه المحطة بالسرد — مجاناً في التطبيق
التطبيق