
المتحف الوطني العراقي
في منطقة العلاوي، يقف المتحف الوطني العراقي كأحد أعرق وأهمّ المؤسسات الثقافية والأثرية في الشرق الأوسط، محتضنًا بين جدرانه آلاف القطع التي تروي تاريخ بلاد الرافدين منذ فجر الحضارات الأولى وحتى العصور الإسلامية، وهو ليس مجرد صرح معماري وإنما ذاكرة مصنوعة من طين سومر، ونحت آشور، وذهب بابل، وفخار العباسيين.
تعود بدايات المتحف إلى عام 1923–1924، حين بادرت عالمة الآثار البريطانية غيرترود بيل بجمع القطع الأثرية العراقية، ووضعها في مساحة صغيرة ضمن مبنى السراي (القشلة) في مركز العاصمة، لتبدأ بذلك أولى محاولات توثيق إرث العراق القديم. ومع تضاعف حجم المقتنيات، افتتح مبنى جديد عام 1926 في شارع المأمون، ونُقلت إليه المجموعة الأثرية المتزايدة، وتم تعيين غيرترود بيل كأول مديرة للمتحف، قبل أن يتولى المهام بعدها ر. س. كوك.
وفي عام 1966، ونتيجة للضيق المتزايد وعدم ملاءمة البنية القديمة لمواصفات المتاحف العالمية، قررت الحكومة العراقية إنشاء مبنى حديث ومتكامل يتناسب مع قيمة المحتوى التاريخي، فشُيّد المبنى الجديد في العلاوي، ليحمل اسم المتحف الوطني العراقي بدلاً من اسمه السابق "متحف بغداد للآثار"، ويصبح بذلك المقر الدائم والحاضن الرسمي لتراث العراق الممتد عبر آلاف السنين.
يضم المتحف اليوم واحدة من أضخم وأهم مجموعات الآثار في العالم، حيث يعرض مقتنيات نادرة من حضارات سومر، وأكد، وبابل، وآشور، والحضارة الإسلامية، بالإضافة إلى آثار تعود إلى العصور الحجرية، وأخرى مرتبطة بالفترات العبيدية، والوركائية، والنبطية، والعصور المتأخرة، كما يحتوي على ألواح مسمارية، تماثيل، أختام، أواني، أدوات زراعية، جداريات، وأسلحة، جميعها تكشف عن عبقرية الإنسان العراقي الأول في تنظيم المجتمع، تدوين اللغة، وتشييد الحضارة.
ورغم مكانته العالمية، لم يسلم المتحف من التدمير والنكبة، فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تعرّض المتحف الوطني العراقي لأكبر عملية نهب في تاريخه، حيث اقتُحم المبنى وسُرقت منه آلاف القطع الأثرية، بعضها لا يُقدّر بثمن، ولا يمكن تعويضه.
لقد مثل ذلك اليوم جرحًا عميقًا في ضمير العالم الثقافي، وتحركت إثره جهود محلية ودولية كبرى، حيث تعاونت الحكومة العراقية مع اليونسكو ومؤسسات أثرية عالمية، من أجل استعادة ما يمكن استعادته. وقد نجحت هذه الجهود في إرجاع عدد كبير من المسروقات، بعضها استُرد من متاحف أجنبية، وبعضها أُعيد من أسواق سوداء دولية، فيما لا يزال قسمٌ منها مفقودًا حتى اليوم، وكأنها بقايا ذاكرة منفية تنتظر العودة.
ومع ذلك، فإن المتحف الوطني العراقي لم يتوقف عن كونه مركزًا للبحث العلمي والحفظ والتأهيل، ولا يزال يستقبل الزوار، الباحثين، والمؤرخين، ليمنحهم فرصة الوقوف أمام تاريخ طويل لم تكتبه الإمبراطوريات وحدها، بل كتبه الإنسان العراقي منذ أن خط أول حرف، وصاغ أول أسطورة، وشيد أول مدينة.
صوتُ الحضاراتِ في مكانٍ واحد
2 دقيقة · Arabic · English
14 محطة لاكتشافها
- 1مميّز
تمثال إله نابو
قبل أن تعبر عتبة المتحف، سيستقبلكِ نابو شامخًا كما كان دائمًا، يديه متشابكتان في هيئة تنضح بالحكمة والوقار. وكأنه لم يغادر قط، بل اختار أن يبقى حارسًا على عتبة الزمن. نابو إله الكتابة والحكمة والمعرفة في الميثولوجيا الرافدينية، واسمه مشتق من الجذر السامي بمعنى "النطق" أو "الإعلان"، وكأن الحضارة التي أبدعته أرادت أن تجعل من الكلمة ذاتها إلهًا. ارتبط اسمه بكل من يحمل قلمًا أو يسعى إلى المعرفة، فكان راعي الكتّاب والعلماء والمنجّمين على حدٍّ سواء. هو ابن الإله الكبير مردوخ (إله بابل الأعظم) وقد ورث عن أبيه مكانة رفيعة بين الآلهة، بل إن نفوذه ازداد في العصر البابلي الحديث حتى كاد يضاهيه في الأهمية. وقد خُصّ بالعدد المقدس أربعين، وارتبط بكوكب عطارد في الموروث الفلكي الرافديني، فيما كان رمزه الأبرز القلم والعصا الكتابية، وأحيانًا التنين المجنّح المعروف بـ"مُشحُشُّو". أما زوجته فكانت الإلهة تشميتم إلهة الكتابة أيضًا، فجمع بينهما الكلمة والمعرفة في كل شيء. تمركزت عبادته في مدينة بورسيبا قرب بابل، حيث شُيّد له معبد "إي-زيدا" أي "البيت الثابت"، الذي كان مزارًا للعلماء والكهنة من أرجاء الرافدين. وكان نابو حارس لوح المصائر، ذلك اللوح الكوني الذي تُسجَّل فيه أقدار البشر وأعمارهم. وفي كل رأس سنة بابلية خلال احتفالات أكيتو الكبرى، كان الكهنة يؤمنون أنه يُجدّد كتابة مصائر البشر للعام القادم، فترتفع إليه الصلوات خشيةً وأملًا. بلغ من مكانته أن المكتبات الملكية الكبرى كمكتبة آشوربانيبال في نينوى وُضعت تحت رعايته، وكُتبت على ألواحها تحذيرات باسمه لمن يجرؤ على سرقة الألواح أو إتلافها. كما حمل كثير من عظماء الملوك أسماء مركّبة تتضمن اسمه، في مقدّمتهم نبوخذنصر أعظم ملوك بابل، ونابوبولاسر مؤسس الإمبراطورية البابلية الحديثة، ونابونيد آخر ملوكها، وكأن الارتباط باسم نابو كان يمنح الملك هالةً من الحكمة والشرعية الإلهية لا تمنحها أي صفة أخرى.
- 2مميّز
قاعة بهنام ابو الصوف (عصور ما قبل التاريخ) قاعة ١ و ٢
قاعة مخصصة لعرض أقدم مراحل حياة الإنسان في وادي الرافدين، حيث تقدم للزائر لمحة موثقة وشبه حية عن عصور سبقت الكتابة والمدن والدول، وتبدأ هذه الرحلة منذ العصور الحجرية القديمة (الباليوليتية) التي تمتد في العراق بين 100,000 سنة و10,000 سنة قبل الميلاد، حين اتخذ الإنسان من كهوف المناطق الشمالية وهضابها مأوى له، معتمدًا على الصيد وجمع الثمار من أجل البقاء، وقد عُثر في هذه الكهوف على أدواته الحجرية والعظمية التي ما زالت تحتفظ ببصمات اليد الأولى على حضارة البشرية، ومن أشهر المواقع التي تؤرخ لهذا العصر: برده بلكا، شانيدر، هزارمرد، زرزى، ومواقع جبلية أخرى عديدة. وبالانتقال إلى العصر الحجري الحديث (النيوليتي)، الذي بدأ قبل حوالي 10,000 سنة، نشهد تحوّلاً نوعيًا في مسار الحياة البشرية، إذ بدأ الإنسان بالاستقرار، وتعلم الزراعة وتربية المواشي، وتكوّنت أولى القرى الزراعية التي شهدت بدايات المجتمع الإنساني المنظّم، حيث ظهرت ملامح الحياة الاجتماعية، ومفاهيم العقيدة الدينية الأولى. وتُعد مواقع جرمو، تل الصوان، حسونة، وسامراء من أبرز القرى التي مثّلت هذا التحول. ومع مرور آلاف السنين، نما عدد السكان، واتسعت رقعة الزراعة، وازدهرت التجارة، وبدأت ملامح المدن الأولى بالتكوّن، مدفوعة بابتكارات تقنية جديدة مثل صناعة الفخار، الذي بدأ بسيطًا ساذجًا ثم تطور بدولاب الفخار السريع، وتزيّن بألوان زاهية ونقوش هندسية معبرة، تعكس حسًا جماليًا متقدّمًا. وازدهرت كذلك صناعة التماثيل والدمى المصنوعة من الحجر أو الطين، والتي غالبًا ما تمثّل الآلهة الأم، رمز الخصب والحياة، أو تجسّد حيوانات كانت مألوفة لذلك الإنسان الزراعي. وفي الوقت نفسه، بدأ الإنسان باستخدام النحاس في أدواته وصناعاته، وهو ما شكّل تمهيدًا لعصر المعادن. أما العمارة، فقد شهدت قفزة كبيرة في البناء، حيث استُخدم اللبن المنتظم والحجارة لتشييد أولى المدن والمعابد والقصور. وتعرض هذه القاعة نماذج حقيقية ومختارة من آثار تلك القرى والمدن التي قامت في شمالي وجنوبي العراق، بما فيها أدوات وأوانٍ ودمى وتماثيل، جميعها تعود إلى حقبة تُعرف بـعصر ما قبل التاريخ، وهي تمتد حتى منتصف الألف الرابع قبل الميلاد. في القسم الثاني من القاعة، يُعرض ما يمثل حلقة الوصل بين عصور ما قبل التاريخ والعصور التاريخية، وهي المرحلة التي عُرفت بحضارات العبيد، الوركاء، وجمدة نصر، والتي تمتد زمنيًا بين 4000 – 3000 قبل الميلاد. وتتميز هذه الفترة باستخدام واسع للنحاس، وبتطور صناعة الفخار عبر الدولاب السريع، ما أتاح إنتاج كميات كبيرة من الأواني المزخرفة، كما ازدهرت العمارة بشكل ملحوظ، فشُيّدت مدن محاطة بأسوار ومعابد ضخمة مزينة بقطع الفسيفساء الملونة والأصباغ، مما يعكس بدايات الذوق الفني الممزوج بالوظيفة الدينية.
- 3مميّز
قاعات حضارة العصور السومرية - قاعة ٣ و٤
قاعة العصور السومرية في المتحف الوطني العراقي، ليست مجرد مساحة عرض أثرية، بل رحلة عبر الزمن إلى واحدة من أقدم الحضارات التي عرفها التاريخ البشري، حيث ازدهرت أولى المدن في بلاد الرافدين ما بين عامي 2900 و2004 قبل الميلاد، وأُرسيت فيها اللبنات الأولى للحضارة الإنسانية بمعناها الحقيقي. في هذه القاعة، تقف أوروك، أور، لجش، نيبور، وأريدو شاهدات على قيام أولى دول المدن السومرية، التي لم تكن مجرد مستوطنات، بل مجتمعات مدنية متكاملة، تحكمها أنظمة سياسية واقتصادية ودينية متطورة. وتبرز في هذه الحقبة شخصية كلكامش، الملك الأسطوري لمدينة أورك، والذي ألهم لاحقًا واحدة من أقدم وأعظم الملاحم الأدبية في تاريخ البشرية. ومن بين أبرز إنجازات السومريين، والتي شكّلت منعطفًا مفصليًا في تطور الإنسان، كان اختراع الكتابة المسمارية، التي لم تكن مجرد رموز على الطين، بل لغة متكاملة دوّنت بها القوانين والاتفاقيات والأساطير والمراسلات الإدارية. وقد ساهم هذا الاختراع في ظهور أول نظام قانوني مكتوب، عرف باسم قانون أورنمو، قبل أن يُصقل لاحقًا في قوانين حمورابي. أما من الناحية العلمية والهندسية، فقد ابتكر السومريون العجلة والمحراث، وطوّروا أنظمة الري المعقدة التي ضمنت استقرارهم الزراعي، وابتدعوا مفاهيم رياضية وزمنية متقدمة، منها تقسيم الساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة إلى 60 ثانية، وهو النظام الستيني الذي ما زال العالم يستخدمه حتى يومنا هذا. كما أنشأوا أولى المدارس الرسمية التي عُرفت باسم "بيت الألواح"، حيث تعلّم الكتبة الصغار الكتابة والحساب والهندسة. وفي هذه القاعة، ستجد بين المعروضات مسلات من حجر البازلت البركاني نُقشت عليها نصوص دينية وتوثيقات تاريخية، ومنحوتات حجرية وتماثيل من الطين والرخام تعبّر عن طقوس دينية أو مشاهد من الحياة اليومية، وأجزاء أصلية من جدران معابد الوركاء التي كانت مزينة بالألوان والأشكال الهندسية. كما تحتضن القاعة مجموعة مذهلة من الأختام الأسطوانية والمنبسطة، التي استُخدمت لتوثيق الرسائل والعقود، وتُعدّ تحفًا فنية مصغّرة لحياة السومريين. وهناك أيضًا مجموعة مختارة من النصوص المسمارية الأصلية، منقوشة على ألواح الطين المجففة بالشمس أو المحروقة في الأفران، والتي تروي لنا كيف دوّن السومريون شؤونهم الإدارية والروحية، وكيف تعاملوا مع مفاهيم مثل العدالة، والإله، والموت، والحب، وحتى الأدب واللغة. إن قاعة العصور السومرية ليست مجرد محطة تأمل في أقدم مراحل العراق الحضارية، بل هي استعادة حية لذاكرة الإنسان الأولى حين بدأ يبني مدنه، يدوّن أفكاره، ويبحث عن معنى وجوده.
- 4مميّز
حضارة العصور الاكدية والبابلية والكشية - قاعة ٥ و٦
هذه القاعة من المتحف الوطني العراقي، يمتد شريطٌ زمني طويل يغطي حقبًا مفصلية من تاريخ بلاد الرافدين، بدءًا من صعود الأكديين في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، مرورًا بعصر البابليين الأوائل، ووصولًا إلى الكيشيين والحوريين، الذين تركوا بصماتهم في قلب التاريخ العراقي بين عامي 1500 و1000 ق.م، في لوحة متكاملة تعكس تَحوُّل بلاد الرافدين من دول المدن السومرية إلى ممالك وإمبراطوريات قوية ذات تنظيم سياسي واقتصادي وديني متماسك. تبدأ الرحلة مع العصر الأكدي (2350–2159 ق.م)، حيث ظهرت أول إمبراطورية موحدة في التاريخ بقيادة الملك الشهير سرجون الأكدي، الذي نجح في توحيد دويلات سومر تحت راية واحدة، وفرض اللغة الأكدية كلغة رسمية في المعابد والدواوين، ممهدًا لمرحلة جديدة من الاستقرار الإداري والازدهار الثقافي. وقد تميزت الدولة الأكدية بقدرتها على تنظيم أراضٍ مترامية الأطراف بنظام إداري فعّال، كما توسّعت شبكاتها التجارية لتربط بين وادي الرافدين والخليج العربي وشبه القارة الهندية والأناضول. في هذه الفترة ازدهر الفن النحتي، ويُعدّ رأس سرجون الأكدي البرونزي من أروع ما خَلّفته تلك الحضارة، بوصفه شاهدًا على براعتهم في صبّ المعادن وتشكيل ملامح السلطة. يتواصل سرد التاريخ في القاعة ذاتها مع العصر البابلي القديم (2000–1500 ق.م)، وهي فترة تميّزت بتطور عظيم في القانون والإدارة والفلك والفكر الأدبي. ففي عهد الملك حمورابي، بلغت بابل ذروة ازدهارها، ليس فقط باعتبارها عاصمة سياسية وثقافية للعراق القديم، بل لكونها مركز إشعاع قانوني وفلكي. ويُعدّ قانون حمورابي، المنقوش على مسلة حجرية عالية، أحد أقدم الشرائع المكتوبة المعروفة، وقد كرّس مفهوم العدالة والمحاسبة في المجتمع البابلي. كما عرف البابليون الجداول الفلكية وقسّموا اليوم إلى 24 ساعة، في إنجاز علمي ما زال صداه ممتدًا حتى العصر الحديث. من جهة الأدب، فقد سجّلوا ملحمة الخلق (إنوما إليش) على ألواح طينية، معبّرين عن رؤيتهم للكون، والعلاقة بين الإنسان والآلهة، ومسألة النظام والفوضى. وفي ظل حكم حمورابي، بُنيت أسطورة برج بابل، وشاعت أخبار الحدائق المعلقة التي اعتُبرت من عجائب الدنيا السبع، لتُضفي على المدينة طابعًا شبه أسطوري في المخيال العالمي. تُعرض في هذه القاعة مجموعة نادرة من آثار العصر الأكدي، تشمل قطعًا من مسلات رخامية منقوشة، ومنحوتات حجرية صغيرة، وتماثيل طينية تمثل الإلهة عشتار، إلى جانب مجموعة أنيقة من الأختام الأسطوانية الدقيقة التي كانت تُستخدم لتوثيق العقود والمراسلات. كما يُلفت انتباه الزائر وجود نسخة جبسية من مسلة حمورابي الشهيرة، التي تتضمن أكثر من 280 مادة قانونية، وهي نسخة مطابقة للأصلية المعروضة اليوم في متحف اللوفر بباريس. وإلى جوار آثار الأكديين والبابليين، يجد الزائر إشارات إلى حضارات الكيشيين والحوريين الذين عاشوا بين عامي 1500 و1000 ق.م، وتركوا هم أيضًا بصماتهم في المجال العسكري والفني والديني، مُشكّلين بذلك حلقة غنية من حلقات التنوع الحضاري التي عرفت بها بلاد الرافدين. تُجسّد هذه القاعة، بما تحمله من معروضات دقيقة وأبعاد تاريخية عميقة، انتقال الإنسان في العراق القديم من السلطة المحلية إلى الدولة المركزية، ومن الرموز الطينية إلى التشريعات المكتوبة، ومن الارتجال إلى التنظيم، في سردية حضارية تعكس نضج الوعي البشري منذ آلاف السنين.
- 5مميّز
قاعة المنحوتات الآشورية - قاعة ٨
في هذه القاعة من قاعات المتحف الوطني العراقي، هناك تجسيد حي لعظمة الحضارة الآشورية، التي نشأت في شمال بلاد الرافدين وامتدت جذورها العميقة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وبلغت ذروتها بين القرنين التاسع والسابع ق.م، قبل أن تسدل الستارة على عاصمتها العظيمة نينوى بسقوطها عام 612 ق.م، لكن إنجازاتها الثقافية والفنية والعمرانية والعسكرية ما تزال محفورة في الذاكرة الإنسانية، شاهدةً على واحدة من أقوى حضارات الشرق الأدنى القديم. عرفت الدولة الآشورية بقوتها العسكرية التي لا تضاهى، إذ كانت دولة مركزية صارمة التنظيم، تقوم على الإدارة الصارمة والمحاسبة والجباية الدقيقة، واستندت إلى جيش منظم فَتَح الأراضي الممتدة من الخليج حتى البحر المتوسط، وشيّدت عاصماتها الكبرى مثل آشور ونمرود ونينوى، واهتم ملوكها بتوثيق بطولاتهم في نقوش حجرية ضخمة تُزيّن جدران القصور والمعابد، وتمثّل معاركهم ومشاهد صيد الأسود والوعول، بما يُعبّر عن القوة والسيطرة، والتلاحم بين الإنسان والطبيعة والآلهة. يُعدّ الثيران المجنحة (لاماسو) من أبرز الرموز التي خَلّفها الفن الآشوري، وهي تماثيل حجرية ضخمة تجمع بين جسد ثور أو أسد، وأجنحة نسر، ووجه إنسان ذي لحية مهيبة، وكانت تُقام عند مداخل القصور الملكية لتحرسها روحيًا وترهب الأعداء، وتمثّل رمزًا للقوة، الحكمة، والخلود، وقد تم نحتها بدقة متناهية في التفاصيل لتُجسّد المفهوم الآشوري للسلطة الإلهية المتمثلة في شخص الملك. تضم القاعة أيضًا نقوشًا بارزة ضخمة نُحتت من الحجر الكلسي، تُصوّر بانوراما متكاملة من الحملات العسكرية التي قادها ملوك آشور مثل آشور ناصربال الثاني وشلمنصر الثالث، حيث تظهر مشاهد من الحضارات، الملاحم، أسر الجنود، المواكب المنتصرة، والطقوس الدينية، مما يجعلها ليست فقط أعمالًا فنية مذهلة، بل أيضًا سجلات تاريخية مصورة توثق رؤية الآشوريين للعالم. ومن بين أبرز المعروضات هنا تمثال الملك آشور ناصربال الثاني، بملابسه الملكية ونظرته الثابتة، ومسلة شلمنصر الثالث، التي سُجّلت عليها تفاصيل دقيقة عن غزواته، التحالفات التي أقامها، والممالك التي أخضعها. تُجسّد هذه القاعة الروح العسكرية والفنية في آنٍ معًا، وتكشف عن ازدهار الفن الرسمي المرتبط بالبلاط الملكي، وتُبرز كيف استخدم الآشوريون الفن والعمارة كوسيلة لترسيخ الهيبة وتخليد الذاكرة السياسية والدينية، لتغدو نينوى وغيرها من مدنهم ليس فقط مراكز حكم، بل عواصم ثقافة وسيادة ونظام عالمي متكامل سابق لعصره.
- 6مميّز
قاعة الفترة الآشورية الوسطى - قاعة ٩
هذه القاعة تظهر الفترة الآشورية الوسطى التي امتدّت من حوالي 1365 إلى 911 قبل الميلاد، وهي المرحلة التاريخية التي شكّلت نقطة تحوّل محورية في تطور الدولة الآشورية، حيث تلت الفترة الآشورية القديمة، ومهّدت الطريق للفترة الآشورية الحديثة التي وصلت فيها الإمبراطورية إلى ذروة توسعها ونفوذها. تميّزت هذه المرحلة بتحوّلات جوهرية في البنية السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية للدولة الآشورية، إذ بدأ الملوك في هذه الحقبة بتأسيس بنى مركزية أقوى، وتنظيم الجيوش، وتوسيع التجارة والزراعة، مما ساعد على ترسيخ مفهوم الدولة التوسعية التي لا تكتفي بحكم المدينة فقط، بل تسعى لضم الأراضي المجاورة وفرض النفوذ عليها، وهو ما انعكس لاحقًا في البنية الإمبراطورية القوية التي ظهرت بوضوح في العهد الآشوري الحديث.
- 7مميّز
قاعة العاجيات - قاعة ١١
تُسلّط هذه القاعة الضوء على واحدة من أرقى أشكال الفنون الرافدينية القديمة، من خلال عرض مجموعة نادرة من القطع الأثرية المصنوعة من العاج، وهي المادة النفيسة التي كان يُستخرج معظمها من أنياب الفيلة أو من عاج فرس النهر، وتُعد من المواد الثمينة التي ارتبط استخدامها في الغالب بطبقات النخبة والملوك لما تتطلبه من دقة في العمل وصعوبة في الحصول عليها. وتعكس هذه القطع المعروضة الذوق الرفيع والمهارة الفنية العالية للفنانين العراقيين القدماء في نحت العاج وتشكيله، حيث استخدموه في صناعة صناديق وزخارف وأثاث وقوالب تزيينية تعكس مشاهد حياتية وأسطورية ورمزية. وتعود معظم هذه القطع إلى المدن الآشورية الكبرى، ولا سيما مدينة نمرود في شمال العراق، حيث تم الكشف عن كنوز فنية كبيرة في قصور الملوك الآشوريين، ما يدل على الازدهار الفني والبذخ الملكي في تلك الحقبة، كما تم العثور على نماذج أخرى في مواقع متفرقة من وادي الرافدين، مما يدل على انتشار هذه الحرفة وتنوع مراكز إنتاجها داخل الحضارات الرافدينية المختلفة.
- 8مميّز
قاعة العصر البابلي الحديث (العصر الكلداني) - قاعة ١٢
بدأ العصر الكلداني عام 626 ق.م عندما أسس نبوبولاسر السلالة الكلدانية بعد طرده للآشوريين من بابل، معلنًا عصرًا جديدًا من القوة. مثّل هذا التحول نهضة سياسية وعمرانية كبرى أعادت لبابل مكانتها التاريخية في بلاد الرافدين. وأصبحت الإمبراطورية البابلية الحديثة إحدى أهم القوى في الشرق القديم. وصلت بابل أوج عظمتها في عهد نبوخذ نصر الثاني (605–562 ق.م)، الذي قاد حملات عسكرية قوية وشيّد مشاريع معمارية ضخمة. تحوّلت بابل في عهده إلى جوهرة الشرق بفضل عمرانها وفنونها. وكان عصره ذروة النفوذ السياسي والعسكري للدولة الكلدانية. تُعد الحدائق المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع، وبناها نبوخذ نصر لزوجته أميتيس تخفيفًا لحنينها لجبال ميديا. امتازت بمدرجاتها الخضراء وأنظمة ري عبقرية عدّها المؤرخون إنجازًا هندسيًا فريدًا. وظلت الحدائق رمزًا عالميًا للجمال والخيال البابلي. بوابة عشتار كانت مدخل بابل الأعظم، مكسوة بالقرميد الأزرق ونقوش الأسود والثيران والتنانين. تعكس البوابة ذروة الفن المعماري البابلي وروعة الزخارف الملونة. ولا تزال نسختها في متحف برلين أحد أشهر الأعمال الأثرية في العالم. مثّل برج بابل (زقورة إيتيمينانكي) رمزًا دينيًا ضخمًا يرتفع بطوابق متدرجة نحو السماء، يجسد صلة بابل بالآلهة. كان من أهم معابد المدينة وأكثرها تأثيرًا في الذاكرة الدينية والتاريخية. ويرتبط البرج بقصة “برج بابل” المعروفة في التراث العالمي. طوّر البابليون نظامًا فلكيًا دقيقًا مكّنهم من رصد حركة الكواكب والتنبؤ بالخسوف والكسوف. أثر علمهم تأثيرًا مباشرًا في الحضارات الإغريقية والرومانية اللاحقة. وكانت بابل مركزًا متقدمًا للدراسات الفلكية في العالم القديم. اعتمد البابليون النظام الستيني الذي ما نزال نستخدمه في الوقت والزوايا اليوم. قدّموا حلولًا رياضية في الجبر والهندسة تُظهر مستوى عالياً من التقدم. وتُعد ألواحهم المسمارية من أقدم النماذج الرياضية المكتشفة. سجّل البابليون الأمراض وعلاجاتها على ألواح مسمارية، ما جعل بابل مركزًا طبيًا مهمًا. مزج الطب البابلي بين الخبرة العملية والمعرفة الروحية. وقد أصبحت سجلاتهم مصدرًا مهمًا لدراسة الطب القديم. امتدت الإمبراطورية البابلية الحديثة عبر بلاد الرافدين وبلاد الشام وأجزاء من آسيا الصغرى. ووصل نفوذها حتى حدود مصر، لتصبح من أكبر قوى الشرق الأدنى. وحافظت على مكانتها حتى منتصف القرن السادس قبل الميلاد. سقطت الإمبراطورية عام 539 ق.م عندما دخل قورش الكبير بابل دون مقاومة تُذكر. مثّل هذا الحدث نهاية آخر دولة مستقلة في بلاد الرافدين القديمة. ومع سقوط بابل، طُويت صفحة حضارة امتدت آلاف السنين.
- 9مميّز
قاعات الفترة الحضارية (مملكة الحضر) - قاعة ١٣ و١٥
تمتد فترة مملكة الحضر من حوالي 100 ق.م إلى 241م، وهي من أهم الفترات التاريخية في شمال وادي الرافدين. قامت المدينة في شمال غرب العراق وكانت مركزًا حضاريًا وثقافيًا مزدهرًا. امتازت بتطورها العمراني وقوة مؤسساتها الدينية والسياسية. ازدهرت الحضر بفضل موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية. هذا الموقع جعلها محطة رئيسية للقوافل ومركزًا تجاريًا مؤثرًا في المنطقة. كما جمعت آثارها بين الأساليب الشرقية والغربية، مما جعل فنها فريدًا ومميزًا. كانت الحضر مشهورة بأسوارها الضخمة التي صمدت أمام جيوش كبرى. ضمّت المدينة معابد عديدة تعكس تنوعها الديني وثقافتها المتعددة. وتُعد عناصرها المعمارية من أهم ما خلفته حضارات وادي الرافدين في شماله. انهارت مملكة الحضر عام 241م بعد حصار طويل على يد الملك الساساني شابور الأول. سقوطها مثّل نهاية واحدة من أقوى المدن المحصّنة في المنطقة القديمة. ورغم زوالها، بقيت آثارها شاهدة على عظمتها لقرون. تُعد آثار الحضر الآن من أهم المواقع الأثرية في العراق. وقد أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي تقديرًا لقيمتها التاريخية والمعمارية. وتبقى شاهدة على مرحلة متميزة من تاريخ وادي الرافدين.
- 10مميّز
قاعة عبدالله شكر الصراف للمسكوكات
وُلد الحاج عبدالله عبد الرسول شكر الصرّاف في مدينة النجف الأشرف بتاريخ 7 تموز 1910م، وتعلّم القراءة والكتابة على يد شيوخ مساجد المدينة. كان شغوفًا بجمع المسكوكات الأثرية، وكرّس أربعين عامًا من حياته لهذا الشغف. وقد جمع أكثر من 1600 قطعة من الذهب والفضة والنحاس ذات قيمة تاريخية عالية. في 18 مارس 1969م أهدى الصرّاف مجموعته النفيسة إلى المتحف العراقي تقديرًا للتراث الوطني. وتم افتتاح القاعة المخصّصة لعرض هذه المسكوكات في العام نفسه، وضُمّت المقتنيات داخل أحد عشر خزانة. ومنذ ذلك الحين حملت القاعة اسم قاعة عبدالله شكر الصرّاف للمسكوكات الإسلامية. احتفت مديرية المتحف العراقي بهذه الهدية الثمينة بإقامة احتفال رسمي كبير. كما أصدرَت دائرة الآثار عددًا خاصًا من مجلة المتحف العراقي تناولت فيه مسكوكات الصرّاف كاملة. ووزِّعت نسخ من هذا العدد على متاحف العالم تقديرًا لأهمية المجموعة. قامت عائلة الصرّاف بتحديث القاعة مرتين، الأولى في عام 2016 والثانية في عام 2019. جاءت هذه التحديثات للحفاظ على جودة العرض وتنظيم المعلومات التاريخية للمسكوكات. وبقيت القاعة من الأماكن المهمة داخل المتحف، لما تحمله من قيمة ثقافية وتاريخية. تضم القاعة 1600 مسكوكة مرتبة بحسب التسلسل الزمني للدول والخلفاء والسلاطين والملوك. ومن ضمنها مسكوكات على الطراز الساساني وأخرى على الطراز البيزنطي. كما تحتوي على مجموعات متنوعة من العصر العباسي، ومسوكات ذهبية وفضية ونحاسية تعود إلى دول مختلفة. غادر الصرّاف العراق عام 1985 إلى مدينة الرباط، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث عاش في ولاية فيرجينيا. توفي في واشنطن بتاريخ 30 أكتوبر 2000 بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والثقافي. وبقيت قاعته في المتحف العراقي شاهدًا على شغفه وإرثه الكبير.
- 11مميّز
قاعتا ١٦ و ١٧ — قبل الإسلام
تُغطّي القاعتان ١٦ و ١٧ في المتحف الوطني العراقي القرون الأخيرة قبل الإسلام: حضارات المناطر والحضر وميسان، ومن ثَمّ السامرة. عُروض من النحت الحجري الكبير، والفسيفساء، والمنحوتات الجصّية، وقطع المعادن، والعملات. الميزة الأبرز هي البصمات الفنّية التي تكشف كيف امتزجت الحضارات الإيرانية والإغريقية والعربية الشمالية في الأراضي العراقية قبل ظهور الإسلام. خصّص ٤٥–٦٠ دقيقة لتمعّن الجدران الإيضاحية باللغتين العربية والإنجليزية.
- 12
مزهرية واركا
قف أمام أحد أقدم الأعمال الفنية السردية للبشرية، المنحوتة حوالي عام 3200 قبل الميلاد، والتي تصور موكبًا يحمل القرابين للإلهة إنانا. تعرضت المزهرية للنهب والكسر خلال فوضى عام 2003، ثم أعيدت لاحقًا وتم ترميمها بعناية فائقة إلى مكانها هنا.
- 13
سيدة وركا
تعرّف على وجه امرأة سومرية هادئ منحوت من الرخام حوالي عام 3100 قبل الميلاد في أوروك، وهو من أقدم الصور الشخصية الطبيعية التي نُحتت على الإطلاق. ومثل مزهرية واركا، سُرقت هذه الصورة خلال أعمال النهب عام 2003، ثم استُعيدت، وعادت إلى المتحف كإحدى القطع الأثرية التي نجت من الكارثة.
- 14
نمرود ذهب وعاج
استمتعوا بكنوز ملكات آشور التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد: مجوهرات ذهبية رقيقة ومنحوتات عاجية بديعة تكشف عن ثروة هائلة وتجارية واسعة النطاق للإمبراطورية. هذه القطع تُشير إلى بلاط استقطب الفخامة والحرفية من مختلف أنحاء العالم القديم.
بالقرب من بغداد
استمع للحكاية الصوتية كاملةً — مجاناً في التطبيق
التطبيق





