
حضارة العصور الاكدية والبابلية والكشية - قاعة ٥ و٦
المتحف الوطني العراقي
هذه القاعة من المتحف الوطني العراقي، يمتد شريطٌ زمني طويل يغطي حقبًا مفصلية من تاريخ بلاد الرافدين،
بدءًا من صعود الأكديين في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد،
مرورًا بعصر البابليين الأوائل، ووصولًا إلى الكيشيين والحوريين، الذين تركوا بصماتهم في قلب التاريخ العراقي بين عامي 1500 و1000 ق.م،
في لوحة متكاملة تعكس تَحوُّل بلاد الرافدين من دول المدن السومرية إلى ممالك وإمبراطوريات قوية ذات تنظيم سياسي واقتصادي وديني متماسك.
تبدأ الرحلة مع العصر الأكدي (2350–2159 ق.م)،
حيث ظهرت أول إمبراطورية موحدة في التاريخ بقيادة الملك الشهير سرجون الأكدي، الذي نجح في توحيد دويلات سومر تحت راية واحدة،
وفرض اللغة الأكدية كلغة رسمية في المعابد والدواوين، ممهدًا لمرحلة جديدة من الاستقرار الإداري والازدهار الثقافي.
وقد تميزت الدولة الأكدية بقدرتها على تنظيم أراضٍ مترامية الأطراف بنظام إداري فعّال، كما توسّعت شبكاتها التجارية لتربط بين وادي الرافدين والخليج العربي وشبه القارة الهندية والأناضول.
في هذه الفترة ازدهر الفن النحتي، ويُعدّ رأس سرجون الأكدي البرونزي من أروع ما خَلّفته تلك الحضارة، بوصفه شاهدًا على براعتهم في صبّ المعادن وتشكيل ملامح السلطة.
يتواصل سرد التاريخ في القاعة ذاتها مع العصر البابلي القديم (2000–1500 ق.م)، وهي فترة تميّزت بتطور عظيم في القانون والإدارة والفلك والفكر الأدبي.
ففي عهد الملك حمورابي، بلغت بابل ذروة ازدهارها، ليس فقط باعتبارها عاصمة سياسية وثقافية للعراق القديم، بل لكونها مركز إشعاع قانوني وفلكي.
ويُعدّ قانون حمورابي، المنقوش على مسلة حجرية عالية، أحد أقدم الشرائع المكتوبة المعروفة، وقد كرّس مفهوم العدالة والمحاسبة في المجتمع البابلي.
كما عرف البابليون الجداول الفلكية وقسّموا اليوم إلى 24 ساعة، في إنجاز علمي ما زال صداه ممتدًا حتى العصر الحديث.
من جهة الأدب، فقد سجّلوا ملحمة الخلق (إنوما إليش) على ألواح طينية، معبّرين عن رؤيتهم للكون، والعلاقة بين الإنسان والآلهة، ومسألة النظام والفوضى.
وفي ظل حكم حمورابي، بُنيت أسطورة برج بابل، وشاعت أخبار الحدائق المعلقة التي اعتُبرت من عجائب الدنيا السبع، لتُضفي على المدينة طابعًا شبه أسطوري في المخيال العالمي.
تُعرض في هذه القاعة مجموعة نادرة من آثار العصر الأكدي، تشمل قطعًا من مسلات رخامية منقوشة، ومنحوتات حجرية صغيرة، وتماثيل طينية تمثل الإلهة عشتار، إلى جانب مجموعة أنيقة من الأختام الأسطوانية الدقيقة التي كانت تُستخدم لتوثيق العقود والمراسلات.
كما يُلفت انتباه الزائر وجود نسخة جبسية من مسلة حمورابي الشهيرة، التي تتضمن أكثر من 280 مادة قانونية، وهي نسخة مطابقة للأصلية المعروضة اليوم في متحف اللوفر بباريس.
وإلى جوار آثار الأكديين والبابليين، يجد الزائر إشارات إلى حضارات الكيشيين والحوريين الذين عاشوا بين عامي 1500 و1000 ق.م،
وتركوا هم أيضًا بصماتهم في المجال العسكري والفني والديني، مُشكّلين بذلك حلقة غنية من حلقات التنوع الحضاري التي عرفت بها بلاد الرافدين.
تُجسّد هذه القاعة، بما تحمله من معروضات دقيقة وأبعاد تاريخية عميقة، انتقال الإنسان في العراق القديم من السلطة المحلية إلى الدولة المركزية،
ومن الرموز الطينية إلى التشريعات المكتوبة، ومن الارتجال إلى التنظيم، في سردية حضارية تعكس نضج الوعي البشري منذ آلاف السنين.
حضارة العصور الاكدية والبابلية والكشية - قاعة ٥ و٦
Arabic · English
استمع لهذه المحطة بالسرد — مجاناً في التطبيق
التطبيق