
أم الجاون
المتحف البغدادي
في ذاكرة بغداد الشعبية، تبرز صورة "أم الجاون" كامرأة بسيطة، جسّدت بعزمها وجهدها روح العمل اليدوي في الحياة اليومية. كانت تمتهن سحق الحبوب والتوابل يدويًا باستخدام أداة تُدعى "الجاون"، وهو هاون كبير مصنوع من الحجر أو النحاس، يُستخدم مع مدقّة ثقيلة لطحن الحبوب، البهارات، بل وحتى بعض المواد الطبية التقليدية.
قبل انتشار الطواحين الكهربائية، كان "الجاون" أداة أساسية في كل بيت بغدادي، وخصوصًا في الأزقة الشعبية والأسواق، حيث كانت "أم الجاون" تجلس أمام بيتها أو في الزقاق، تعرض مهارتها في الطحن للناس مقابل أجر بسيط. وكانت النساء يُقبلن عليها لطلب طحن القمح، الشعير، الهيل، الكمون، القرفة، وغيرها من المواد التي كانت تحتاج إلى دقة في الطحن وجودة في النكهة.
في صباحات بغداد القديمة، كان يُسمع صوت دقّ "الجاون" يتردّد في الأزقة، يُنذر ببداية يوم عمل جديد، ويُضفي على الأحياء روحًا مميزة. وقد ارتبط هذا الصوت في المخيال الشعبي بـ"جلب الخير والرزق"، وصار رمزًا من رموز الكدح الشريف والعمل الجاد.
ومع تطوّر الزمن، تراجعت هذه المهنة تدريجيًا، بعد دخول الطواحين الكهربائية وانتشار محلات البهارات الجاهزة، لكن "أم الجاون" بقيت حيّة في ذاكرة العراقيين، رمزًا للبساطة والكفاح.
ولا يزال الجاون حاضرًا في بعض الأسواق التراثية، حيث يُستخدم أحيانًا بشكل استعراضي لإحياء هذه المهنة وتذكير الناس بجمال تلك الأيام، لتبقى "أم الجاون" شاهدة على فصلٍ من فصول التراث البغدادي الشعبي.
أم الجاون
Arabic · English
استمع لهذه المحطة بالسرد — مجاناً في التطبيق
التطبيق